الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024

قصة قصيرة-علاج

 

لم أعد راغبًا في أي شيء، فقدت الأشياء جاذبيتها، يهطل المطر، فلا أخرج لرؤيته، أصل عند الإشارة ولونها أخضر، فلا أفرح، يقدم لي طبق شهي، فلا تمد يدي إليه، لست حزينا أو خائفا، أو مريضا،  فقط لا أرغب.

 

بدأ حالتي منذ تسعة أشهر تقريبًا، في البداية قلت واجباتي السريرية،  كالعادة شكت زوحتي بأن لي علاقات أخرى، لكن برأ موقفي، قلة إقبالي علي الطعام، فأنا محب للأكل عموما،  ابتكرت "كشري بلس"، وهو نفس طبق الكشري المعتاد لكن بعد إضافة الدجاج له، و ابتركت أيضا "مطبق مطور"، وهو نفس المطبق المعتاد، لكن استبدال الكراث بالبطاطس المقلية.

 

أما أكثر طبق افتخرت بابتكاره فهو " الونيس" وهو مكون من : شاهي أحمر، يقدم في كوب سيراميك، بلا إضافة السكر، مع حلا تيراميسو، أي تعديل ولو يسير على هذه المكونات، لا يعتبر طبق الونيس، مثلا، لو وضعت نعناعا مع الشاي، أو أضفت له السكر، فلا ينطبق عليه التسمية.
روجت له كثيرا، بين معارفي وأصدقائي، وخضت معارك كثيرة من أجل إثبات ملكيته، و الآن لم يهمني إن سطا عليه آخرون ونسبوه لهم، أو عدلوا عليه.

= " تدري وش مشكلتك؟ ما عندك شغف!”
= "وشلون ماعندي شغف، و أنت تعرف هوسي بالأكل، لعلمك، خسرت حتى الآن ٦٢ كيلو!
= الأكل ليس شغف.
= أجل تسلق الجبال شغف؟!!

 

هكذا علق صديق على حالتي، صديق آخر كان له تعليل مغاير، فقد اعتبر ما أمر به " أزمة منتصف العمر" وأنني بحاجة للزواج من ثانية، هذا الصديق تصنفه زوجتي على أنه من أصدقاء السوء، ولأنه مازال حيا على قيد الحياة، فهذا يعني أني لم أعمل بنصيحته.

=" تدري وش مشكلتك؟ أنت حققت كل أهدافك في حياتك، تعيش في فراغ، تحتاج مدرب حياة يعلمك وش تبي"
هذه نصيحة زميلة في العمل، تنفق ربع راتبها على مرشدتها في الحياة، لا بأس لكل إنسان الحق في أن ينفق أمواله كما يشاء، من جهتي أفضل أن أضع كل أموالي في كرسي المرحاض و أسحب عليها السيفون، ، و لا أعطي مدربي الحياة أي قرش.

أرسل لي صديق عزيز جدا رسالة تتضمن رحلة إلى براغ، مدينتي المفضلة، لمدة أسبوعين و ستكون الرحلة " م-م"  أي محفولا مكفولا، لم أرد عليه، لا تظن أنني وقح، لكن أردت أن أوقف أي محاولة من البشر لعلاجي.

فتحت جهازي وذكرت للذكاء الاصطناعي  مشكلتي وطلبت منه حلا، بعد عدد من الردود بيننا، توصل الذكاء الاصطناعي،  إلى أن أفضل حل لمشكلتي هو الانتحار.

لم أستسغ الفكرة أولا، انتحر! هكذا ببساطة أيها اللعين، مازلت في الخامسة والثلاثين، صحتي جيدة ودخلي المالي ممتاز، ثم تقترح على الانتحار!

أغلقت الجهاز بقوة، وخرجت من المكتب، أشعلت سيجارة، لقد بدأت بالتدخين مؤخرا، بناء على نصيحة صديق 
=" أوجد لك مشكلة لم تتعامل بها من قبل، سوف ينشغل بها ذهنك عن مشكلتك الحالية"
هذا الصديق يستلهم الحكم والأقوال الخالدة من حوارات روايات مترجمة، ونصيحته هذه مجرد رأي أخرق، ففضلا عن مشكلة الاكتئاب لدي، صار لدي أيضا الإدمان على عادة مضرة صحيا.

 

لما تأملت الفترة الماضية والتي امتدت ل٩ أشهر، جربت فيها  اقتراحات بشر يعرفونني، لكن فشلت، والآن أتساءل، هل يبدو أن اقتراح الذكاء الاصطناعي صائبا؟ فهو كما هو معروف، يقترح حلا لمشكلتك بناء على تجارب سابقة لحالات مشابهة لي.
 الاستسلام هو خيار الواقعين، هكذا تمتمت.


رجعت للمكتب، وفتحت الجهاز، وطلبت منه طريقة مناسبة للانتحار، بناء على فهمه لشخصيتي، اعتذر فقد قال أني وصلت إلى الحد الأعلى من الأسئلة معه.

 

لا بأس، سوف أبحث بنفسي، بعد جولة قصيرة بمعية محرك جوجل، توصلت إلى طبيب نرويجي، يقدم خدمة القتل الرحيم، لكن للدقة، يفترض أن يسمونه القتل الجميل، تجلس على أريكة بجانب نافذة تطل على بحرية، تقف عند رأسك فتاة شقراء، تدس الإبرة في يدك، وتحادثك حتي تقبض روحك.

هؤلاء الأوروبيون يتقنون كل شيء ويضعون عليه مسحة من جمال، إن لم يكن الجمال كله، لكن عيبهم التغطية الإعلامية، ماذا ستقول الصحافة الأوروبية عني؟ عربي مسلم وقد يضيفون أيضا وهابي، ينتحر في أوسلو!
سأكون وجبة للبرامج الحوارية، عن صدام الثقافات، سوف تطرح أسئلة مثل: لماذا لا يقبل المسلمون بأن ينهي الواحد حياته بسلام؟ متى تسمح الدول الإسلامية بمنح حق الانتحار؟ وسوف يخرج دعاة مسلمون يوصفون بأنهم تقدميون في الإعلام الغربي، يقولون، يوجد في تراثنا آراء لها مواقف إيجابية من الانتحار.
لا، لا، أرفض أن يكون انتحاري مادة للجدل الفقهي.

أيضا سوف أجلب الحرج لعائلتي، ماذا عن إجراءات الدفن، نقل جثتي في تابوت والصلاة علي؟ هذا الخيار غير مناسب على الإطلاق.

فكرت في أن أرمي نفسي من فوق عمارة، لحظات وأفارق الحياة، لكن قد تكون نهايتي بشعة، يتهشم رأسي، ويتناثر الدم حولي،  أيضا قد لا أموت، ولكن أصاب بكسور ،  تجعلني أظل طيلة عمري مقعدا، اكتئاب وشلل!

هل تناول أقراص طبية؟ لكن قد ألا أموت بسرعة، وأتألم كثيرا قبل الموت، و يمكن أيضا يأتي الإسعاف وينقذون حياتي؟
ماذا لو خنقت نفسي؟ أضع حبلا حول عنقي و أقفز من كرسي، كما أشاهد في الأفلام،و اكتب ورقة أعتذر فيها لمن أحب،: "آسف أني خذلتكم؟

نهاية شاعرية، تصلح أن تكون خاتمة لرواية.


لكن قد تشك الشرطة بالفعل، خصوصا أنه ليس منتشرا بينا،  وقد يطلبون تشريحا جثتي للتأكد من سبب الوفاة.
لا،  أريد أن أدفن  بجسدي كما هو، حتى و بدا قبيحا في نظر الكثيرين، لكنه جسدي.

فكرت في أغلق على نفسي في الملحق الخارجي للبيت، و أشعل النار في المدفأة، و أقرأ رواية، هكذا سيكون وفاتي لا تثير أي شكوك، اختناق بالغازات التي تصدرها النار، يحدث كثيرا في موسم الشتاء، كما أنه غير مؤلم، في البداية سوف أغفو، ثم أموت بسلام.

سوف يستغل الدفاع المدني وفاتي، للتذكير أهمية ترك النوافذ مفتوحة عند إيقاد النار في الغرفة المغلقة، سوف يعلق البعض في وسائل التواصل الاجتماعي على الحادثة:
"يا جماعة الخير، انتبوا من النار، تراها خطر" ثم يذكرون حكما مستهلكة.

 

أعلم أن أمي سوف تحزن كثيرا، وقد لا تجد مستقبلا متعة في الجلوس عند النار، أبي سوف يحرن، ويندم ألا يكون حرص أكثر على تربيتي الدينية، زوجتي أيضا سوف تحزن، لكن لا أظن لمدة طويلة، فهي تتذمر من صلعتي، وأظنها ستبحث عن زوج له شعر رأس كثيف، لها الحق في ذلك، يكفي أنها تحملتني لسبع سنوات.

أدخل الملحق وأوقد النار، أفتح رواية " ضياع في سوهو" لكولن ولسون، "خوش خاتمة حسنة"! استمتع بها، لا بأس من مفارقة الحياة بعد قراءتها، لم تكن رواية طويلة، أظن أني سأنهيها قبل أن يقضي علي الدخان.

 

بعد دقائق من استنشاق الدخان، خطر في ذهني أعدائي، ماذا سيفعلون إذا سمعوا خبر وفاتي؟ عزيز زميلي في المكتب، الذي يتذمر كثيرا، لأن موقعه  في الجهة الشرقية من المبنى، حيث تسطع الشمس في وجهه خمس ساعات في اليوم، بينما مكتبي في الجهة الغربية، سوف يقفز إلى موقعي، فور ما يبلغه خبر انتحارتي، سيتحدث عني : " المرحوم كان عنده مكتب موقعه زين، لكن مسكين المشاكل أقوى منه"

جارنا في الحارة أبو صالح، الذي يلمح في كل اجتماع لجيران الحارة، على أفضلية الصلاة في المسجد، حيث ألا أفعلها، سوف يوظف فرصة موتي خلال قراءة رواية، بالتذكير بأهمية الخاتمة الحسنة.

سامي ابن عمي، قد يستغل الموقف للتأكيد على تصوره لي، وهو أنني مجرد إنسان "منفوخ" على الفاضي، و كل نجاحات في الحياتي مجرد صدف، و عندما تعرضت لأول أزمة في حياتي، انهرت.



وضعت الرواية جانبا، تأملت النار وهي تلتهم الحطب، مددت يدي وأضفت المزيد منها، شعرت بتحسن مزاجي، أستعدت رغبتي في الأكل، خوض معارك من أجل ملكيتي الفكرية للأطباق التي ابتكرتها، أيضا في إغاضة أعدائي. 

 

قمت من مكاني، فتحت نوافذ الملحق، رميت بعلبة السجائر في الزبالة، رجعت للمدفأة، النار التي تصورتها ستكون أداة نهاية حياتي، فإذا بها تكون الأداة التي أعادت لي الرغبة في الحياة.

ماعانيت منه طيلة ٩ أشهر، هو اكتئاب الصيف! فمرحبا بالشتاء، مرحبا بإيقاد النار، مرحبا بالحياة.

تمت.


 

 

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...