إحدى أمنيات حياتي، أن أعمل في شركة إعلامية، لا أعني بذلك أن أكون مذيعا، فليس لدي الإطلالة الساحرة أو سرعة البديهة، يكفي أن ظهور صلعتي كفيل بطرد كل المشاهدين، لكن أريد أن أعمل في تحرير وإعداد المواد الإعلامية، أجد متعة أن أجمع معلومات وآراء حول قضية ما، أعرضها بطريقة جذابة.
عملت معدا ومقدما لبودكاست عن الكتب والأفلام، وأعمل محررا في نشرة بريدية، لكن طموحي أعلى من هذا بكثير.
لذلك عندما كنت أقرأ مذكرات المذيعة المتألقة باربرا وولترز، اختلط في نفسي شعوران، شعور المتعة لقراءة مذكرات إعلامية، وشعور الحسرة، أنني لم أخض هذا المجال.
من هي ؟
هي صحفية، كاتبة، مذيعة أمريكية، امتد بها العمر ، فقد ولدت عام ١٩٢٩ و توفيت ٢٠٢٢، تقريبا عاشت ٩٠ سنة، قضت ما يقرب من ٥٠ منها في الإعلام.
أجربت مقابلات مع أشهر السياسيين في العالم.
الجاذبية النسائية:
اشتكت باربرا خلال سيرتها، من محاربة الإعلاميين الرجال لها، فقد كان وظيفة المحاور التلفزيوني، تكاد تكون حصرا على الرجال، باستثناء البرامج التي تستهدف الأطفال والقضايا النسائية.
ترى باربرا أنهم لم يكونوا يريدون لها أن تدخل، لأنهم يرون النساء أقل مهارة منهم. تحدثت بمرارة أنه عندما يذهب الطاقم الرجالي للحانة، تكون باربرا محورا لطرائفهم! وقد حاولت أن تدخل معهم، أن تكون ضمنهم في الأحاديث الجانبية، بالمشاركة في أحاديث الرياضة، التي عادة ما تكون رجالية، في ذلك الوقت، لكن فشلت في كسب ودهم.
لدي تعليل آخر، لمحاربة بعض الإعلاميين الرجال لها، فباربرا جذابة، وضيوف البرامج الحوارية من عادة ما يكونوا رجال ، لذلك من المتوقع في نظر منافسيها الذكور الرجال أن تحظى باربرا بفرص أحسن منهم، و قد حدث هذا.
من يصدق أن دكتاتورا مثل فيدل كاسترو، يقود بنفسه السيارة التي ركبتها باربرا، لما زارته، ويعطها مسدسه الخاص، لتحمله؟ ويطبخ بنفسه وجبة عشاء لضيفته باربرا؟ و في عزاء السادات، ذكرت جيهان لباربرا أنها كانت تغار منها، بسبب تفضيل السادات لها. وقد كان كيسنجر، يعاملها معاملة خاصة، حتى سرت إشاعات أن بينهما علاقة.
جاذبية الرجال للنساء والعكس، هذه حقيقة بيولوجية، فكيف إذا كانت المذيعة جذابة ومشهورة؟
روي كوهين:
هذا محام يهودي، ربطته صداقة مع والد باربرا اليهودي، لكن لم تكن تستلطفه باربرا في البداية، بسبب أنه عمل مساعدا للسيناتور مكارثي، عندما كان يستجوب الإعلاميين، والمثقفين عن انتمائهم للشيوعية.
لكن موقف باربرا تجاهه تغير بعدما ساعد والدها، فوالدها يحب المغامرة المالية، يدخل في مشاريع ترفيه طموحة جدا، يكسب عاليا ثم يخسر، حتى رفعت عليه قضايا مالية، وصدر أمر بالقبض عليه.
طلبت باربرا من روي المساعدة، نظرا لعلاقته مع القضاة، استطاع أن يوقف مذكرة الاعتقال! حتى استطاع والدها، تسديد الديون عليه. بعد هذا الموقف، خرجت باربرا مع روي في لقاءات عشاء، في نهاية العشاء، كان يقبلها على الخد، وهي خطوة تسبق المواعدة الغرامية. لكن لاحظت باربرا أن قبلاته باردة، ثم طلب منها الزواج ورفضت.
بعد ذلك، تبين أن روي شاذ جنسيا، وقد يكون فكرة زواجه من باربرا، حتى يخفي ميوله الجنسية، توفي روي فيما بعد بمرض الإيدز.
تقول باربرا: يلموني كثير من الناس عند الحديث الإيجابي عنه، لكنه فعل الكثير لأبي.
الأخت جاكي:
من أكثر الفصول رقة في السير الذاتية التي قرأتها، حديث باربرا عن أختها جاكي، تكبرها جاكي بثلاثة أعوام، لكنها تعاني من إعاقة، وتأتأة عالية، لم تذهب جاكي إلى المدرسة، و لم يكن لها أصدقاء، و مع كل نجاح لباربرا، سواء كان نجاحا دراسيا، مهنيا، اجتماعيا، كانت تشعر أن فرحتها لم تكتمل بسبب أن أختها محرومة من هذا النجاح.
قرأت باربرا مذكرات أختها لما ماتت، لم تجد فيها مشاعر سلبية مثل الحسد تجاهها، مع أن باربرا امتلكت المجد، المال، الثقافة، العلاقات الاجتماعية.
أصيبت جاكي قبل وفاتها بالسرطان، العجيب أنها في أخر أيام حياتها، زالت عنها علتها في التأتأة.
مواقف منوعة:
. لما ذهبت باربرا إلي الهند قابلت رئيس وزراء ديساي، أخبرها أنه يتبع حمية غذائية، و يشرب بوله! لأنه مفيد صحيا.
. لما ركبت يخت عدنان خاشقجي، تاجر السلاح المعروف، كان لديه معلم هندوسي، في اليخت، يحكي له الضيوف همومهم، ويجيب عليها، لكن تبين فيما بعد أن عدنان، كانت يتنصت عليها، حتى يعرف نقاط ضعف ضيوفه!
. قابلت تاتشر بعدما غادرت المنصب، تقول تاتشر: يرن الهاتف، فأقفز من مكاني، أظنها مكالمة عند قمة في الأمم المتحدة، ثم أتذكر أني لم أعد في المنصب.
. لما قيل لجولدا مائير، أن السادات و مناحم بيجن، سوف يحصلان على جائرة نوبل للسلام، قالت: يفترض أن يحصلا على جائزة الأوسكار!
. لما قابلت هنري فورد قال لها: أعط دائما عذرا واحدا، لا تعط أبدا عذرين.
. عندما قال لها السادات: أن أجرها السنوي مليون دولار، قالت: ليس يحيى الإنسان بالمال، ، لكن بالحب!
. لما دخلت على ياسر عرفات في مكتبه ببيروت، وجدته أصلعا!
العائلة:
من ضمن المواقف التي سجلتها باربرا، سؤالها لماري ايزنهاور، كيف دام زواجها ٥٠ عاما؟
فقلت: لم يكن بيننا شيء مشترك على الإطلاق! أظن هذا الموقف علق في أذنها، لأنها تزوجت أربع مرات، من أشخاص من عالم الترفيه والإعلام، وفشلت كل زواجاتها.
لم تفشل زواجاتها بسبب خلافات بينها وبين أزواجها، ولكن لأن نمط حياة من يعمل في مجال الترفيه والإعلام مذبذب.
العجيب أن والد باربرا يعمل في مجال الترفيه، وهي تعلم أن هذا المجال، يصعب معه تكوين عائلة مستقرة، مع ذلك تزوجت من هذا الوسط.
أنا أيضا على قناعة، الأفضل للزوجين ألا يكون لهما نفس الاهتمامات المشتركة، لكن يكون بينهما توافق في الطباع.
البنت جاكي:
أعلنت باربرا على التلفاز أنها رزقت ببنت، أسمتها جاكي على أختها.
انهالت عليها التبريكات، ادعى بعض المتصلين أنهم علموا بحملها حتى وهي تحاول أن تخفي ذلك.
لكن الواقع أن باربرا لم تحمل، فجاكي ابنتها بالتبني! فقد اجهضت عدة مرات، وتقدم بها العمر، واقتنعت بأن التبني أفضل خيار.
استشارت باربرا صديقا عن كيفية إخبار ابنتها، أنها متبناة، في أي عمر، ومتى؟ فقال لها: لمحي لها، مع الوقت سوف تدرك.
استحمت مرة باربرا مع ابنتها، وقالت لها: الأطفال يأتون من هنا وأشارت إلى بطنها، لكنك أتيت من هنا وأشارت إلى قلبها.
كان جسم جاكي ضخما، فلم تستطع تكوين صداقات مع فتيات، في فترة المراهقة، تعرفت على شباب سيئين، وقعت في المخدرات، أنقذتها باربرا بصعوبة، كونت جاكي فيما بعد، مصحة للعلاج، الغريب، أن معظم روادها من الفتيات المتبنيات.
سرعة البديهة:
تقول بابرا الرغبة في استضافة شخصية، رغبة من الطرفين، برنامجي يحتاج ضيوفا، و الضيوف يرغبون في الشهرة، لكن الظهور الإعلامي الجيد يحتاج قدرا من سرعة البديهة.
فقد استضافت ريتشارد نيكسون بعدما عزل من منصبه، وتعمدت أن تجعل آخر اللقاء، سؤالا محرجا، يتطلب ردا سريعا، فقد سألته هل ندمت على عدم إتلاف السجلات التلفونية، و التي كانت سببا في إدانتك، أجاب بنعم!
وهو جواب صادق لكنه كرس الصورة السلبية عنه.
عندما استضافت محمد رضا شاه إيران مع زوجته فرح، قالت له: لماذا تعتقل من ينتقدك؟ قال: لأني ملك! ولما قالت له: هل ترى المرأة مساوية للرجل بالعقل، أجاب: بلا! وهو أجوبة صادقة منه، لكنها غير مناسبة، وكرست الصورة السلبية عنه أنه بعيد عن الناس.
بينما لما سألت بوتين، هل صحيح أنك تغتال خصومك السياسيين؟ أنكر ذلك، وهذا كذب، لكنه الجواب الذكي.
الأفضل الجمع بين الرد الذكي والصادق، كما فعل الملك عبد الله بن عبدالعزيز لما سألته باربرا، هل تؤيد حقوق المرأة، فقال: أمي امرأة، زوجتي امرأة، أختي امرأة، ابنتي امرأة، فكيف لا أناصر المرأة؟
التحيز اليهودي:
تقول باربرا أنها وعائلتها غير ملتزمين بالشعائر الدينية، بل عند وفاة والدها، وهو أول شخص يتوفي في عائلتها، لم تكن تدري كيف تقام مراسم الدفن، لكن في سيرتها كانت مؤيدة بشدة للإسرائيل، وقد توفر لها فرصة التعرف على مأساة الفلسطينيين، في جنوب لبنان، مع ذلك لم تبد أي تعاطف معهم.