السبت، 28 سبتمبر 2024

هل أنت ضحية التنميط الثقافي؟

  

إن كانت أغلب الكتب المنتشرة في رفوف مكتبتك هي الأعلى مبيعًا لدى مكتبة جرير، وأغلب تفضيلاتك السينمائية مما هو رائج على نتفليكس، ووجهاتك السياحية المختارة مما اعتاد الناس التردد عليه، فعلى الأرجح أنك تفتقر للاستقلالية الذوقيّة.

لا بد من الاعتراف أن رحلة تكوين ذوق ثقافي خاص بك ليست رحلة سهلة، فهي تتطلب جهدًا يوميًا، ووعيًا حاضرًا لمقاومة المؤثرات الثقافية والضغوط الترندية الملحة حولك. لكن عوائدها إيجابية لشخصية الفرد واستقلاليته واتساقه مع ذاته، وأقلها أنه يجعلك مختلفًا عن غيرك!

كثيرون لو سئلوا عن أفضل شاعرٍ من القدماء لأجابوا بالمتنبي أو امرئ القيس، مع أن معظمهم لم يقرأ ولا ديوانًا شعريًا. ولو حصل ووقع اختيار بعضهم من متذوقي الشعر على جرير، ومن ثم ناولتهم أحد دواوينه وطلبت منهم اختيار أفضل قصيدة من وجهة نظرهم، فستكون اختياراتهم على الأرجح متباينةً على عددهم

أستفتح بهذين المثالين للتدليل على ما قد يشوب خياراتنا الشخصية من تنميط ثقافي وتأطير على ضوء معطيات لسنا مدركين لها بالضرورة؛ ففي حين أن انتقاء القصائد المنفردة يميل للذائقة الشخصية أكثر، إلا أن تفضيل المتنبي أو امرئ القيس أو جرير نابعٌ من قولبة ثقافية مسبقة، وستكون هذه القولبة موضوع مقالتي القصيرة.

 

زعم أن القولبة الثقافية تجعلنا نحيد قليلًا عن اختيار ما هو أنسب لنا شخصيًا، وذلك من حيث أنها تجعلنا نفكر من خلال إطارٍ مسبق يؤطر حتى اختيار ما يناقضه. ولعل النكتة القائلة بأن شخصًا ذهب إلى إحدى البوفيات وطلب تشيز برگر بدون جبن مثالٌ مناسب على ما أقوله؛ فهذا الشخص يرغب في الحقيقة ببرگر عادي، ولكن الوصول إلى هذا الاختيار تطلب منه المرور بالتشيز برگر منقوصًا، أي بالتفكير عن طريق ما هو مضافٌ أصلًا.

وكذلك لو أعطينا ديوان جرير للشخص نفسه في فترات ومزاجيات متباينة، لوجدنا تقييمه واختياراته هي الأخرى غير ثابتة، وذلك عطفًا على حالته النفسية جراء وقوعه في الحب مثلًا أو جراء حنقه على شخصٍ ما. سوى أن ذلك لا يعني أنه سيفكر بالضرورة خارج إطار تفضيله لجرير بحد ذاته، وهو التفضيل الناتج عن التنميط الثقافي.

يؤدي بنا ذلك لاستنتاج مبدئي: إن التنوع منطقي وصحي. منطقي من باب أن لكل منا ذوقه الخاص، وصحي لأن الحياة ستكون مملة لو امتلكنا جميعًا الذوق نفسه. وليست التفضيلات الثقافية موضوعية ومبنية على قيمة العمل وحسب، بل هي أيضًا تنطلق من ذاتية تناول المنتج الثقافي، سواء كان رواية أو فيلمًا أو قصيدة أو منحوتة، إذ أننا سنتناولها من خلال تجاربنا وأذواقنا الشخصية. فكون روايةٍ ما نوبلية لا يعني أنها ستلاقي قبولًا عند الجميع.

من أين يأتي التنميط؟

أجرى عالم النفس الاجتماعي سليمان آش 📺 تجربة جميلة عن تأثير الجماعة على اختيارات الفرد. في التجربة، وضعت قبال المختبِر ورقة مرسومٌ عليها مجموعة خطوط متجاورة وخط متباعد عنها بعض الشيء، ومن ثم يُطلَب من المشارك  اختيار أي خط من المجموعة يتطابق طوله مع الخط المنفصل.  

أقيمت التجربة على مرحلتين. في المرحلة الأولى، يكون المشارك بمفرده، وقد بلغت نسبة الإجابات الصحيحة 99%. أما في المرحلة الثانية، يكون المشارك  مع عددٍ من الأشخاص الذين يعتقد أنهم مشاركون  حالهم حاله، ولكنهم في الحقيقة جزءٌ من التجربة. يقوم هؤلاء الأشخاص باختيار إجابة خاطئة بين الحين والآخر لتضليل المشاركين والتأثير عليهم، ثم يراقبون ما إذا كان المشارك سيحاكيهم أم أنه سيختار الاجابة التي تعبر عن ذاته بغض النظر عن اختيار تلك المجموعة. أجرى  آش اختباره على كل شخص اثني عشرة مرة، وقد بلغت نسبة الإجابات الخاطئة هذه المرة 76%. أكثر من ثلثي المختبرين كذبوا حدسهم السليم واختاروا إجابة خاطئة تحت تأثير الأقران

وإني إذ كتبت هذه المقالة القصيرة بعد نزول فيلم The Irishman 🎥 بفترة وجيزة، أتأمل في كمية الإعجاب والأصداء التي تلقاها ذلك الفيلم الطويل، في حين وجدته مستهلكًا وذا أداء رتيب. فهل كانا متولدين من الفيلم نفسه، أم كان للأسماء الشهيرة فيه ولدعاية نتفلكس الضخمة دورٌ أكبر؟ في كلتا الحالتين، لم أمتلك شجاعة إبداء رأي معارض له

وقد تكرر موقف مشابه حين زرت متحف اللوڤر وتهت بين روائع الفن، وحرت في كيفية توزيع وقتي المخصص للمتحف (أربع ساعاتٍ إن لم تخني الذاكرة) على مختلف اللوحات. وعنى ذلك أن علي اختيار عدد محدد من اللوحات، والموناليزا ستكون بلا شك إحداها، فكيف تقول للناس أنك زرت اللوڤر ولم تقف عند الموناليزا؟

وحينما سألت أحد العاملين هناك كيف أجدها، أجابني بأن العثور عليها سهل، حيث أنها اللوحة الوحيدة التي يقف قبالها أكثر من ثلاثة أفراد. ولقد صح كلامه تمامًا، ففي حين لا يتجاوز عدد الواقفين أمام روائع الفن الموجودة هناك ثلاثة أو أربعة أشخاص، وجدت أمام الموناليزا أكثر من أربعين شخص يرفعون أياديهم محاولين التقاط صورة تذكارية، كأنهم متجمهرون أمام خباز رافعين أياديهم بالنقود منتظرين التميس. والعجيب أن في المتحف معروضات تفوق روعتها الموناليزا، من رسومات ومنحوتات، ولكن الهالة التي تحيط بها تجعلنا ضحايا القولبة الثقافية.

 

تنميط متفش ومتسارع

زاد تأثير القولبة الثقافية مع بروز مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار التقييمات عبر الحسابات الشخصية. ولعلكم لاحظتم في تويتر ظاهرة غريبة: يثني أحدهم على مادة ثقافية، سواء كانت كتابًا أو مجلة أو حلقة بودكاست، قبل أن يطلع عليها فعلًا، والسبب في ذلك أن هنالك حملة تويترية من الثناء على هذه المادة. بل هناك من غرق في القولبة لدرجة أن ملكة الذوق السليم لديه باتت معطلة تمامًا

ولا يعني ذلك تجاهل انطباعات وآراء الآخرين. فأنا شخصيًا أستفيد مثلًا مما يطرح في گودريدز أو IMDB في التعرف على الكتب أو الأفلام والمسلسلات الواقعة ضمن دائرة اهتماماتي. وثمة اعتبارٌ آخر في أن تقييمات المختصين في مجالٍ ما أفضل من غيرهم، إذ أنهم يبذلون جهدًا أكبر في التعمق بالمنتج الثقافي الواقع ضمن نطاق اهتمامهم. ولكن ذلك لا يعني بتاتًا أن يكون الفرد أسير تفضيلات المختصين أيضًا.

من خلال الطرح أعلاه، يتضح ما ذكرته في مقدمة المقالة أن تكوين الذوق الثقافي المستقل ليس سهلًا، وذلك عطفًا على تطلبه جهدًا ومقاومة مستمرين للتنميط الثقافي الصريح والمستتر. وأقول مجددًا أن ذلك يستحق، لا أقلًا لأنه سبب في اختلافنا عن الآخرين، بل من باب أنه يجعلنا نقتحم أبواب المجهول كذلك

الثلاثاء، 10 سبتمبر 2024

قصة قصيرة: شاب بلا طموح



 

أنا إنسان عادي جدا، أو كما يُعبر عنه في كتب الإدارة وتطوير الذات، بإنسان بلا طموح، بلا خطط استراتيجية، بلا أهداف.

 أريد أن أعيش حياة روتينية، حياة لا تحديات فيها، حياة رتيبة، أعشق منطقة الراحة، لا أريد تحقيق إنجازات، لا أرغب بترك أثر، أمنيتي أن أكون في الهامش، إنسان نكرة، هل هذا صعب؟ تركت لهم كل شيء، مع ذلك لم يتركوني في حالي..

البداية مع أمي، فعلى عكس إخوتي، الذين لهم متطلبات دقيقة كثيرة في اللبس والأكل، وبقية جوانب الحياة، أقبل كل تقدمه لي أمي، بلا نقاش، مثلا يختار أحد إخوتي، حقيبة مدرسية، لكن بعد فترة يمل منها، ويرغب في استبدالها، ماذا تفعل أمي؟ تستبدلها بحقيبتي، لأن الحقيبة، أيا كان شكلها، في نظري مجرد وسيلة لحمل الكتب.
إذا ذهبنا إلى مطعم، وتورطت أختي وطلبت طبقا لم يعجبها، وكثيرا ما تفعل، تعطيها أمي طبقي الذي يكون عادة طبقا تقليديا، وآخذ طبقها لماذا؟ لأنه إذا لم يعجبني الطبق، فلا بأس عندي، أعد لي شطيرة جبن إذا رجعت للبيت.

لذلك أحبتني أمي كثيرا، فقد جعلت حياتها أسهل، وفضلتني على بقية أخوتي، لا تصدق أن الجميع متساوون لدى الأم.

لكن تفضيل أمي العاطفي له ثمن، عندما رغبتُ بالزواج، فضلتُ إنسانة عادية، تشاركي حياة نمطية، إنسانة ترغب في إنجاب كائنات تقليدية، إنسانة لا يزعجها أن أترك سيارتي أشهرا بلا غسل، لكن أمي اختارت لي فتاة جميلة، ذكية، اجتماعية، مرحة، وأهم شيء طموحة جدا.

 

تعتقد زوجتي قبل اقتراني بها، بأنه لا ينقصها شيء! لذلك تريد أن تحصل على أفضل خيار ممكن، تلبس أجمل عقد، تذهب إلى أحسن مقهى في المدينة، تجلس على أحسن كنبة، لذلك لا يخلو يوم من أيام زواجنا الذي امتد لسنوات، من معارك، بين طموحها العالي في كل شيء وغياب طموحي تماما.

 



أما أبي، فحكايتي معه مختلفة جدا عن أمي، فقد كان يراني مشروعا نسائيا ناجحا، نعم، ففي رأيه أن أنجح الزواجات هي التي تكون فيها الزوجة بلا طموح، بلا متطلبات، كان يرى أن شخصيتي المتواضعة، تناسب أختي، المجنونة بالتميز! لكن نظرته نحوي تغيرت بعد إعجاب جدي بي.

 

جدي ثري جدا، ككل الأثرياء العصاميين، حريص على جمع المال، دقيق في إنفاقه، هذا إذا أنفقه! تملقه أبي وأعمامي، لكن لم يكن يتجاوب معهم.

 

يعيش في قصر، بينما يعيش أبي و أعمامي في بيوت عادية مؤجرة، وسياراتهم عادية، ومهما ألحوا عليه، بطلب المساعدة المالية، يرفض.

 أنا الوحيد من ذريته الذي لم " يتميلح عنده"، لم أكن حريصا على طلب رضاه بأي صورة كانت، لا أتهافت على تقبيل يده،  و لا أضحك بصوت عال على نكته سخيفة قالها.

جدي الشكاك، تركهم جميعهم و أقبل على، لم يكن هذا محبة خاصة بي، لكن حتى يرسل رسالة لأبي و أعمامي، فحواها لست ساذجا  كما تظنون!

إمعانا في إغاظتهم، كان يناديني إذا دخلت المجلس" هلا بالسمي" فأنا أحمل اسمه، بالتأكيد الاسم هو الشيء الوحيد المشترك بيننا، لس هذا فحسب،  بل اشترى لي سيارة لكزس موديل 
RX ،و أصبحت سيارتي أحسن من سيارتي أبي و أعمامي!
أثار تصرفه معي حسد أبناء أعمامي، في إحدى المرات خرجت من بيت جدي، لأجد إطارات السيارات مثقوبة! أنا الذي تجنبت منافستهم على جدي، حتى لا أدخل في صراع معهم، صارتُ هدفا لعداواتهم.

في المدرسة، انسجاما مع فلسفتي في العادية،  لم أكن متميزا دراسيا، كنت إذا بدأت في حل أسئلة ورقة الامتحان النهائي، أحسب كم درجة تكيفني للنجاح، ثم أتوقف عن الكتابة عندما أخمن أني أحرزت الدرجة الكافية، تقدير " جيد مناسب لي تماما، لكن في إحدى المرات، أخطأت في الحساب، ورسبت.

على الرغم أني لم أكن مجتهدا، لكنني كنت محبوبا عند الأستاذة بالمدرسة،  لأنني هادئ، لا أعاندهم،  ولا أسبب ازعاجا، فلا  أجري بسرعة داخل أروقة المدرسة،  أكرموني مرة وجعلوني الطالب المثالي، حتى أحفز الطلاب المشاكسين لأن يقللوا من شقاوتهم، لكني تلقيت بعدها ضربة من الطلاب المشاغبين، لأنهم ظنوا أن حصولي على لقب الطالب المثالي ولست مجتهدا دراسيا، بسبب أني وشيت بهم!

 كما ترون، أهرب من " المشاكل" لكنها يأتي إلي!

لما توظفت، ركزت جهودي على إنجاز ما هو مطلوب و ضروري ومهم فقط، طموحي فقط، ألا يقل أو يزيد تقديري السنوي عن جيد. 

كنا خمسة موظفين، أنا وثلاثة شبان وفتاة، كنت أصل آخرهم للعمل، أغادر أولهم، لا أفتح رسائل مديري في الواتساب بعد العمل، إلا في حالات خاصة جدا، حرصت أتكون علاقتي معه رسمية، فلم أكن أرسل له رسائل يوم الجمعة والأعياد.

زملائي كانوا مهوسين بالعمل، لا أقول إن العمل هو أولوية في حياتهم، بل هو حياتهم، فمثلا، لا يحسنون الحديث إلا العمل ومشاكل العمل، الترقي الوظيفي...

 


لكن تفاجأ الجميع، بمن فيهم أنا، بخبر تعيني مشرفا عليهم!

 

لماذا عينت مشرفا؟ لأني أعمل في شركة بيئتها الداخلية، تنافسية جدا، أو كما يعبر عنها في أدبيات الإدارة" سمية" لذلك رأى مديري، في شخصيتي الوادعة، البعيدة عن التصادم، تعيني مشرفا عليهم فرصة لتقليل التوتر داخل القسم!


أحد الزملاء، اعتبر هذا التعيين إشارة من الله، أن الحياة لا تنال بالجد والاجتهاد وإنما بتوفيق إلهي، لذلك تحسن تأديته للشعائر الدينية.


آخر لم يتقبل خبر التعيين بسلام، فقد أخذ مقاطعا لي في السناب شات، كنت أسخر بطريقة مهذبة من شركتي، وقدمها إلى إدارة شؤون الموظفين!

لست بحاجة، لأخبركم، أن التوفيق كان حليفي، اعتبر مقطعي، وسيلة ترفيه ولم تؤثر على وظيفيا، بل صرت مشهورا، حتى عرفني المدير التنفيذي للشركة.




أنشأت قبل سنوات حسابا في إكس، لما كان اسمها توتير، حسابا بعنوان" في مديح العادية" لم أظهر فيه هويتي الشخصية.

 

كان مجرد حساب، أغرد فيه عن فضيلة العيش بسلام وترك التنافس، مجرد حساب، أعبر فيه عن انزعاجي من ثقافة التميز، وصنع الأثر، لم أهدف منه للانتشار فضلا عن التأثير، لكن لسبب لا أدري، انتشر الحساب بسرعة، صرت أتلقى طلبات من دور نشر، للإعلان عن كتب تروج لمثل قناعتي، في البساطة والتواضع.

بالتأكيد، رفضت هذا العروض، فهذا يتعارض مع الهدف الذي أنشأت فيه الحساب، كيف لحساب يفلسف لمبدأ العادية، أن يكون حسابا نشطا، مؤثرا؟

 

لكنني كنت سعيدا، بأن شريحة بعشرات الآلاف، كانت تتفاعل مع المحتوى، وتعتبر ما فيه نقطة تحول في نظرتها للحياة.

بعد سنتين من إنشاء الحساب، فتحت توتير لأجد هاشتاقا بعنوان:
بالصور فضيحة حساب" في مديح العادية!"
فتحت الهاشتاق، وجدت صورا لي و أنا أركب سيارة الليكزس، صورة يدي وفيها ساعة رولكس، التي أهداها لي جدي، بعدما ثقب أحد أولاد عمي إطارات سيارتي، صورة من صفحتي في اللينكد إن، مع تأكيد على القفزة الوظيفية التي لا أستحقها، صورا لي مع زوجتي  في ونحن نتجول في جنيف باريس، حسابها برايفت في الإنستغرام، كيف حصلوا علي الصور؟ أيضا وجدت صورة تكريمي بالطالب المثالي، و أنا في المرحلة الابتدائية! هل تعاونت الجن معهم!




حصل لغط كبير حول الحساب، تلقيت شتائم كثيرة على نفاقي! علق أحدهم: هؤلاء الأثرياء، لا يكتفون بالمال، بل يريدون أيضا أن يحصلوا على المجد الأدبي من خلال ادعاء التواضع والبساطة.


حاولت طيلة 37 سنة من حياتي، ألا أسعى  سوى لهدف واحد، أن أكون نكرة، مبتعدا عن الأَضواء ، متجنبا الصدام مع الآخرين، للأسف فشلت. 

الاثنين، 2 سبتمبر 2024

قصة قصيرةـ زواج


 

دعاني والدي للذهاب معه إلى الرياض، لزيارة عمي وإجراء فحوصات طبية، هذا هو الهدف المعلن أمام أمي، لكن الهدف الخفي حل مشكلة ميراث جدي مع بقية أعمامي، يرفض والدي أن تتدخل النساء في الشؤون الهامة.


لم أتحمس كثيرا للذهاب معه، فلم تكن الرياض آنذاك جذابة كما هي الآن، لكن والدي لديه قناعة أن مكوثي كثيرا مع أخواتي الأربع، يضعف من رجولتي، مع أن العكس هو الصحيح!   لا يستشعر الجاهل جهله إلا إذا جلس مع مثقفين، ولا يتبين للفقير مقدار فقره إلا إذا صاحب الأغنياء، كذلك لا تتجلى رجولة الشاب إلا إذا جلس مع فتيات.

إذا سمعت صراخ إخواتك في حوش البيت، عندما يرين "صرصارا" ثم تقوم وتضربه بنعلتك، ثم ترجع وتكمل شرب فنجان شاي الحليب من دون أن تغسل يديك، وتكمل سالفتك مع أمك، سوف تسمع منهن صفات ألطفها بأنك قذر! لكن معناها الدقيق: أنت شجاع ونشعر بالآمان معك.

 

لما وصلنا إلى بيت عمي، جلس بجانبي ابنه النزق، وأول ما قال لي:
= عندنا دش
=حرام

هكذا رديت بتلقائية، لم أكن متدينا حينها، لكن لم أرغب أن أعطيه أحساس الفوقية تجاهي أنا القادم من قرية.

 


غادر أبي وعمي في المساء بحجة الفحوصات الطبية! خلا المجلس لي مع ابن عمي النزق.
=هاه، أي قناة تبي؟ عندنا كثير
= ما تفرق، كلهن حرام.

كنت مصرا حينها على الرد حرام بتلقائية كلما ذكر الدش أمامي، هل يجرؤ أن يرد؟

كنا جالسين في المجلس، قام وأحضر جهاز الريموت، وشغل التلفزيون، وأخذ يتنقل بين القنوات!
هذا الدش!

حينها كلما سمعت كلمة الدش، يتبادر إلى ذهني صورة دش الاستحمام، كنت أتصور إذا قيل قنوات كثيرة في الدش، أن كل قناة تبث من فتحة مثلما يخرج الماء من فتحات الدش.

 

كنت مراهقا في ١٤ من عمري سنة ،١٩٩٤ وأسكن في قرية شمال الرياض. 



بعدها بما يقرب من عشرين سنة، عرفت أن الدش هي طبق بالإنجليزية، وأن شكله في السطح يشابه الطبق، العلم نور.

توقف عند إحدى القنوات، تعرض رقصا للباليه، تقدمه فتيات ألمانيات، شد العرض كل حاسة من حواسي، لم ترمش عيناي خلال العرض.
ذهلت من تناسق أجسامهن، تساءلت جينها هل يعقل أن توجد أجساد بمثل هذه الطراوة والتناسق؟

 

حتى تتصور مقدار الجفاف البصري الذي كنا نعيشه، قبلها بعدة أشهر، توقفت سيارة عند ملعب الحارة، كنا ما يقرب من ١٣ ولدا، نزلت منها فتاة، رأينا فقط لثوان ساقها عندما انكشفت العباءة عند النزول، ظل هذا الموقف حديثنا في الحارة لأشهر.
زمن أغبر ، الله لا يعيده.

= وش رايك، غمز لي بعينه.
= الآن تأكدت إنه حرام!

أمضينا أوقات ممتعة، نتنقل بين قنوات الدش، حتى طرقت الباب أخته " ليلى" التي أحضرت لنا العشاء، تصغرني بأربع سنوات، ملامحها دقيقة، شعرها ناعم، تمللك ابتسامة ساحرة، أكن لها مشاعر خاصة، وهي الحسناء الوحيدة في محيط عائلتنا.

 

= تراها تعزك.

علق ابن عمي بعدما غادرت أخته، لم أدر بماذا أرد.

 

أمضينا تلك الليلة في بيت عمي، لكن لم أنم تلك الليلة، توجد معركة داخلي دماغي الصغير، تأتي صورة إحدى الفتيات الألمانيات بجسمها العاري، أحاول طردها بصورة ابنة عمي، الرقيقة المحتشمة، بالتأكيد لم أكن قادرا على تصور ابنة عمي عارية، فهي تظل ابنة عمي.

مضت ساعات أتأمل الصراع  الذهني بين الحب العذري، والرغبة الجنسية.

 

 

في طريق عودتنا إلى الديرة، لم يتحدث أبي معي كثيرا، فالمراهق في نظره، ليس طفلا تلعب معه، وليس رجلا تتحدث معه حديث البالغين.

أسندت خدي لباب السيارة، وتأملت الخطوط البيضاء المتقطعة في الطريق، كنت أقارن في ذهني بين الفتاة الألمانية، وابنة عمي، بعد زيادة السرعة، أصبحت الخطوط البيضاء خطا واحد في نظري، عزمت حينها أن زوجة المستقبل ستكون ألمانية.


 

 الإنسان إذا رغب في شيء، يتحول إلى أدهى الدهاة، حتى لو كان أجهل من حمار أهله،  أعلنت في البداية و كنت في الثانوية العامة، إعجابي بألمانيا، رياضتها، صناعتها، وتاريخها العسكري، ذهبت إلى مكتبة المدرسة، لم يتوفر الانترنت ذلك الوقت،  حيث  الموسوعة العربية الموجودة ، كنا نسميها الموسوعة الخضراء، لأن لون غلافها أخضر.
  تناولت مجلد حرف الأف، باحثا عن ألمانيا، لكن وجدت هتلر قبلها، فموادها مرتبة هجائيا، قرأت ما كتب عنه، شدتني قصته ، الرايخ الثالث ، الفوهرر ، الصليب المعكوف، الهولوكست، صرت أتبجح بها بمناسبة و مدون مناسبة، حتى حصل نقاش مع عمي في اجتماع العائلة السنوي.

أخجلني تخطئته لي، زاد من غيضي سخرية ابنه النزق مني، تأكد عزمي بعدها ليس الزواج من ألمانية ليس فقط لصفاتها الجسدية، بل حتى أبرهن لأبناء عشيرتي أنني أستحق لقب الجرماني.


اخترت في الجامعة تخصص الهندسة الميكانيكية، ليس لأني أحب هذا التخصص، بل إني لعنت نيوتن وقوانينه الثلاثة مئات المرات، لكن اخترته  لأن الألمان معروفون بالصناعة الثقيلة، و التي عمادها الهندسة الميكانيكية.

 

 تنقلت بعد تخرجي بين عدة شركات، حتى توظفت في شركة سعودية لها عقود مع شركات ألمانية، وتكرر سفري لألمانيا، لغرض العمل كما أدعي.


تحسن مع الوقت فهمي للثقافة الألمانية، عرفت الفرق بين مدنها، الجانب الشرقي والغربي منها، صرت أستلطف كل شيء يتعلق بالأمان، حتى الصرامة والحدية التي يعرفون بها، صارت جاذبة لي.

 

 

طرحت على أهلي في أحد اجتماعات العائلة، فكرة الارتباط بفتاة ألمانية، في البداية عدها أبي طرفة، ولما تأكد من جديتي، اعتبرني مجنونا! أما أمي فقد ظنت أن الألمانيات بنات الكلب، سحرنني! تظن أمي الألمانيات مثل الخادمات الأندونيسية! إحدى خواتي اعترضت وقالت: لو تزوجت ألمانية، فسوف أتزوج إيطاليا، أختي الثانية قالت: أي فتاة تتزوج من شخص من غير ملتها وجنسيتها، فهي فتاة رخيصة!
= لو تحولت إلى الإسلام، تبي تكون رخيصة في نظرك؟
= كل تبن.


عارض أبي بشدة فكرة زواجي بألمانية، لكن مع مرور السنوات، وتمسكي برغبتي، ولأنه يريد أن يرى أحفاده الذين يحملون اسمه أمامه، فأولاد البنات، يعتبرهم أحفادا من الناحية البيولوجية فقط، ! وافق أخيراً.

 

حصل هذا بالضبط، بعد  زواج أختي من ولد في حارتنا، الأخت التي هددت بالزواج من إيطالي.

 

مضى على زواجنا خمس سنوات، اقتنع والدي أنني لست مجنونا، بل إنه اعترف لي يوما بأنني " حظيظ" ،واقتنعت أمي أن زوجتي الألمانية لم تسحرني، بل ظنت العكس! أما خواتي فقد استعن بزوجتي، كوسيلة للتباهي بها في منصات التواصل الاجتماعية، والحصول على متابعين كثر.

أما علاقتي معها، فسوف أبينها من هذا الموقف

 

صباح السبت الماضي، حصل بيننا هذا الحوار:
= ماري، ممكن تزينين لي ساندوتش بيض؟
= أنت مريض؟
=لا.
= أنت مشغول؟
= لا.
= أنت ما تعرف؟
= لا.
= قم زينها بنفسك!

بعد مضي عدة دقائق.
= ماري، ممكن تزين لي كوب شاي؟
= أنت غبي؟
= لا.
= ما تناقشنا قبل عن نفس السالفة؟

قمت وأعددت كوبي شاي و فطرتين، وضعتهما على الطاولة، ثم صورتهم، و نزلت الصورة في الانستجرام.

و كتبت:
إفطار شهي، مع الإنسانة التي أختارها قلبي!

حصلت الصورة على تفاعل كبير، شدني من ضمن التعليقات، ما كتبته ابنة عمي ليلى :
" يا حظ من كنت رفيقه"
تمت.

 

 

 

 

 

 

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...