‏إظهار الرسائل ذات التسميات خاطرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خاطرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 4 يناير 2025

أعدائي إني أنذركم

 ظهرت علامة على شاشة السيارة قبل أسبوع، تشير إلى وجود مشكلة في أحد كفرات السيارة، وكعادة الناس الناجحين أمثالي، لم أبادر إلى إصلاحها.

لكن مع تحسن الطقس البارحة، " روقت" وذهبت إلى " بنشري" و أخبرني بوجود مسمار فيه، أخرجه ورقع الفتحة، وأعطيته ١٠ ريالات.. وكما يقول الخواجات : " fair enough
اليوم قبل صلاة الجمعة، اكتشفت صدفة، أن نفس الكفر بنشر! ولأني مثل فلاسفة اليونان، لا أحسن العمل اليدوي، تواصلت عن طريق تطبيق "إزهلها" مع شاب، وجاء وأصلحه، و أعطيته ٧٠ ريالا و أخبرني أن الذي أصلح الكفر "واحد عليمي"
ماذا سوف أفعل؟
في هذا الدفتر، وهو دفتر يوميات يومي، لن أسجل فيه خواطري أو ما يحصل لي مواقف حلوة، فقط سوف أودن فيه الإساءات التي وجهت لي، وستكون مادة لمذكراتي الشخصية
" مع أعدائي"
ستكون أقسى من مذكرات عبدالحمن بدوي..
أعدائي، إنني أنذركم،، التاريخ لن يرحمكم!

لماذا نفشل في تحقيق أهدافنا الشخصية؟


 

قبل دخول هذا العام، كتب صديق في حسابه بإكس: " أهدافي لسنة ٢٠٢٥: تأليف ١٠ كتب، السفر ل ١٣ دولة، الحصول على ١٨ مليون" وعلقت لديه: بقي من قائمة الأهداف: الجلوس مع العظيم حمود الباهلي!

 

هذه التغريدة واحدة من مئات التغريدات التي تسخر من التخطيط السنوي، فقد تذمر كثيرون في نهاية السنة الماضية من فشلهم في تحقيق أهدافهم، فقد كتب صديق: كل أهدافي كانت تسلل! وكتب آخر: سوف أنقل أهداف لسنة ٢٠٢٤ إلى سنة ٢٠٢٥، لأني لم أحقق أيا منها.

لماذا يفشل موظف معتاد على تحقيق الأهداف المهنية، في تحقيق أهدافه الشخصية، هل هو كسل؟ أم ضعف في الالتزام؟ لا أظن، فلدي تحليل آخر.

كتب جاشوا رثمان في صحيفة النيويوكر مقالا بعنوان: فن اتخاذ القرار، استهل المقال بذكر تحير تشارلز دارون مع معضلة هل يتزوج أم لا؟ ثم عمل قائمة بمحاسن الزواج ومساوئه، وغلبت محاسنه فتزوج، لكن جاشوا يرى أن أفصل طريقة لاتخاذ القرار، أن تتخيل الصورة المستقبلية لك، وتتأمل في الخيار الذي أمامك، هل يقربك لحلمك أم لا.
مثلا في التخطيط للمسار المهني، إذا أردت أن تكون موظفا لديه خبرة في اتخاذ القرار بصلاحيات واسعة، فالأفضل اختيار العمل بشركات صغيرة، حتى ولو كانت رواتبها قليلة، لكن إذا أردت أن يكون لديك خبرة عميقة في مجال مهني محدد، فالأفضل اختيار العمل بشركات كبرى، حتى لو كان العمل يتطلب الكثير من الجهد في انجاز مهام روتينية.


لذلك أخمن أن الفشل في تحقيق الأهداف الشخصية، يرجع لأنه لا يساعد تحققيها على رسم الصورة التي تحلم بها، فعلى سبيل المثال، فشلت في الالتزام بأي نظام حمية غذائي والمحافظة على الرياضة، لأني فعليا لا تشدني كثيرا أن يكون جسمي رياضيا، لا بأس إذا حصلت عليه، لن أرفضه بالتأكيد! لكنه ليس رغبة أكيدة، لذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من طبق الفول الصباحي، أو صحن البطاطس المقلية مع قارورة البيبسي الفوارة.

لكن بالمقابل، أحب أن أعرف نفسي بأني كاتب، وأطمح لأن أكتب رواية، وقد جعلت لنفسي هدفا، أن اكتب ٤٠ قصة قصيرة، وأقرأ ١٠٠ رواية قبل البدء بكتابة روايتي، لذلك لم أجد صعوبة في الالتزام بأهدافي، فقد كتبت حتى الآن ست قصص، وقرأت ٢٤ رواية، مع العلم أني كسول، وليس لدي دافع ذاتي للعمل، ولابد أن يضع أحدهم المسدس على رأسي حتى انجز العمل، كما أنني فوضوي، دخلت قبل فترة لغرفتي حتى أرتبها، وأمضيت فيها ثلاث ساعات، خرجت منها وهي أشد فوضوية!

 

فالموظف يعرف من خلال خبرته الوظيفية، أنه إذا حدد هدفا، فلابد أن يكون قابلا للإنجاز، يمكن قياسه، محددًا في إطار زمني، لكنه معتاد على أهداف توضع لتلبية رؤية الشركة، وليس أهدافا شخصية.

وإحدى معضلات التواصل الاجتماعي، أن كثرة الحديث عن تحقيق الأهداف الشخصية، وحجم التفاعل العالي معها، قد تجعل البعض يتبنى أهداف غيره! فقد شكى صديق أنه يشتري كتبًا من معرض الكتاب، مع أنه لم يبدأ بقراءة كتب التي اشتراها من معرض الكتاب السنة الماضي!
= ممكن أن تخبرني عن الكتب التي اشتريها؟
= تردد قليلا، ثم افتح حسابه في إكس، وأراني صورة التي اشتراها.
= لماذا اشتريتها؟
= هذه الرواية مدحها كثير، و هذا الكتاب ممتاز في تاريخ العراق، وهذا ...

= كم كلفتك؟
= من دون إحراج!
= لا تخجل، أعتبرني " الكوتش" حقك
= ١٣٠٠ ريال
= ولم تنه قراءة أي كتاب.
= نعم بتردد.
= الله يخلف عليك
= بس على الأقل حصلت ٤٧ لايك! 
= برافو!

 

فأخبرته: لديك صورة مستقبلية ضبابية عن مستقبلك الثقافي، تريد أن تكون مثقفا، لكنها ليست واضحة بحيث تحفزك للقراءة، ولابد حتى لا تقتصر  فائدتك من شراء الكتب، على الحصول على تفاعل رقمي! أن تتخيل نفسك بعد خمس سنوات، هل تريد أن تكون ناقدا للماركسية، مؤرخا لمصر؟ مختصا في علم الكلام؟ لابد أن تختار مجالا معرفيا محددا، يستهويك، ثم تضع لك أهدافا مرحلية للوصول إلى الصورة التي تحلم بها.

نسمع كثيرا تعبيرات مثل : أعشق التصميم، أنا مجنون بالثقافة، أنا أموت في السفر، وهذه تعبيرات مراهقين، ويفترض أن يقتصر استخدامها على مغازلة الجنس اللطيف، وهي من بقايا لغوية من التصور السابق، أن الإنسان لابد أن يكون لديه شغف، يكرس كل حياته له، وهذا وهم و لست أقصده هنا، ما قصدته أن تضع أهدافا شخصية، تجعلك تحصل على نسخة أفضل منك، كما في التعبير المستورد، أخبرني صديق أنه يحب تصاميم المباني، لكن والده أجبره على اختيار تخصص هندسة حاسب و العمل في شركة نفطية، لذلك كان ينقطع كثيرا عن متابعة الجديد في هذا العلم، حتى حدد أهدافًا شخصية، منها متابعة سبعة حسابات في التيك توك، تتحدث عن تصميم المباني، وصار يقضي فيها أسبوعا الساعات، اكتسب من خلالها خبرة فنية.

 

 يذكر جاشوا في نفس مقالته، أنه إذا كانت الاختيارات مبنية من أجل الوصول إلى الصورة التي تتخيلها لذاتك، حتى لو لم تتحقق الصورة كما تخيلتها بالضبط، فعلى الأقل تكون قريبًا منها، وهذه ميزة اختيار أهداف تعكس اهتمامات شخصية، فأنا مثلا حتى لو فشلت في أن أكون روائياً، فعلى الأقل سيكون لدى معرفة في فن الرواية، بعد السير على الخطة التي وضعتها.

 

 

 

 





الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

رقمنة الثقافة.. كيف شوه الإحصاء المشهد الثقافي؟


حضرت جلسة جمعت مجموعة من المهتمين بالمشهد الثقافي، و كعادة جلساتنا كانت مجرد حش الثقافي، من "الحشات" التي أعجبتني أن الفائزة الأخير بجائزة نوبل للآداب، الروائية هان كانج، لا تستحق الجائزة، بينما كانت "حشتي" أن الاقبال الكبير على كتاب في معرض الكتاب، لا يدل على جودة الكتاب.
رد على أحدهم و قال: إذا كان بيع أعداد كبيرة من كتاب، لا يعتبر نجاحا له، هل يعني أن قلة المبيعات تعتبر نجاحا؟!! ثم سمى ما وقعت فيه، " مغالطة عنز لو طار" وضحك الموجودون باستثنائي طبعا
! و هذه الخاطرة، رد علمي على الاتهام الباطل.

 

 خلال كتابة الخاطرة، رجعت إلى لقاء وائل حلاق مع بودكاست فنجان، الذي ذكر فيه في بداية الحلقة، أن بعض حلقات فنجان نجحت وحققت مشاهدات عالية، قلت حتى أنت يا حلاق! أيها الأكاديمي في جامعة كولمبيا، يا من يقوم مشروعه الفكري على محاربة الحداثة، تستعين بالأرقام وهي أداة حداثية لتقييم منتج ثقافي؟!

الفخ الذي وقع فيه حلاق، ليس خاصًا به، فأنا مثلًا، لما رجعت للحلقة للتأكد من دقة النقل، لفت نظري عدد المشاهدات، بالمناسبة قد وصل عددها  إلى مليون ونصف مشاهدة، وأكثر من ٣٤ ألف اعجاب، هل شعرتَ لما قرأتَ هذه الأرقام، أن الحلقة تستحق أن تُشاهد؟ لستَ وحدك، فنحن نعيش في عصر، قائمٍ على الإحصاء، ورقمنة الممارسات، والاستعانة بمؤشرات الأداء، لقياس النجاح.

 

بالتأكيد أن رقمنة الأداء، سهلت من تقييم الممارسات، فعندما يزيد عدد السيارات في بلد، وتقل الحوادث، فهذا مؤشر على تحسن السلامة المرورية في البلد، لكن استعمالها في المجال الثقافي يشوهه.

 


 

فإذا أردتُ مقارنة بين مطعم برجر بآخر، سوف أقارن عدد العاملين مقارنة بعدد الوجبات مثلا، أو درجة تقييم المطعم لدى العملاء، لكن من الخطأ أن أقارن كتابا بآخر، بناء على عدد المبيعات، لأنه يمكن أن أشتري كتابا ولا أقرؤه، لكن لن اشتري برجر ولن آكلها، باستثناء إذا وضع فيها الطباخ فيها مخللا! ومن الخطأ مقارنة ندوة فكرية بأخرى بناء على عدد الحضور، لأنه يمكن أن أحضر ندوة واتصفح جوالي، أو أتحدث مع من يجلس بجاني.

فالعمل الثقافي نوعي وليس كمي، مثله مثل السعادة، والوعي لا يمكن أن ترقمن وتُقيم إحصائيا.

المحزن عندما تنبه لخطأ اعتماد العدد (الأعلى مبيعًا، الأكثر مشاهدة) وسيلة لقياس الجودة في العمل الثقافي، تتهم بأنك نخبوي، متعالٍ على الناس.

 

 

ومن المؤسف أن رقمنة المجال الثقافي تحولت إلى ممارسة مؤسساتية، في كتابه" نظام التفاهة" يوضح لنا آلان دونو، أن المؤسسات الثقافية، وضعت تقييمات سخيفة لتقيم الأداء، لا يمتثل لها الموظف الممتاز، لأنه وعيه أعلى منها، ولا يمتثل لها الموظف السيئ، لأنه مهمل، فقط الموظف العادي، المقصود بالتافه هنا أي الموظف ذي الكفاءة المتوسطة الذي يترقى من خلال معايير شكلية.


 فعندما يُقام مؤتمر علمي، بدلًا من أن يقيم نجاح المؤتمر بجودة ما طرح فيه من بحوث، يقيم من خلال: درجة التنوع العرقي/ الديني / الجندري لدى المشاركين، وعددهم، جودة المكان، الفعالية المصاحبة لها مثل عشاء، و حفلات موسيقية، وغيرها من التقييمات الشكلية، التي يسهل عملها، وتعتمد على مجرد الإحصاء.

ينبهنا  آلان دونو إلى أن الموظف العادي الذي يترقى بسرعة في منظومة إدارية، قطعًا ليس موظفًا كسولًا، لكنه يفتقر للعمق، ويتماهى مع المعايير الشكلية.

فلو أصبح مديرًا لمعرض فني، بدلًا من أن يركز جهده على  رفع جودة اللوحات الفنية،  وهذا عمله الرئيسي، يوجه جهده لجوانب أخرى، كأن يزيد مداخيل المعرض من خلال بيع كتب باهظة الثمن، تكون ملحقة بالمعرض، وقعتُ في هذا الفخ كثيرًا  ،و يجعل تصميم المعرض، ملائمًا لالتقاط صور من الداخل و مشاركتها  على وسائل التواصل، حتى يحصل المعرض على تفاعل رقمي، ويجتهد في جلب أفضل المقاهي دخل المعرض، حتى يتحسن مزاج الزائر بعد شوب كوب القهوة ويقيم المعرض تقييمًا إيجابيًا، فتحقيق " إنجازات " من خلال هذه المعايير، يتطلب جهدًا وعملًا، قد يكون أكبر من الجهد المبذول رفع جودة البحوث المشاركة، لكن الأخير تتطلب عمقًا معرفيًا، بينما الأولى لا تتطلب سوى العمل الشاق الروتيني.

 


خطورة نظام التفاهة، كما حذرنا آلان دونو، أن الموظفين العاديين، يدعمون انتشار المعايير الشكلية، التي تعتمد على الأرقام والإحصاء، حتى خارج منظوماتهم الثقافية، ليسهل عليهم التنقل بين الجهات العلمية والثقافية، ومن هنا جاءت تسميته بنظام التفاهة، ولعل أبرز تشوهات هذا النظام التافه، أن معظم الفعالية الثقافية غدت متشابه جدا، لأن المعايير الشكلية واحدة!

 

ملاحظة:
كتاب نظام التفاهة، ليس له علاقة بارتفاع نفوذ مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مترجمة الكتاب د.مشاعل الهاجري ذكرت في  تقديمها للكتاب، وهي مقدمة طويلة، و من الأفضل تجاوزها! " فقد نجحت هذه المواقع (الفيس بوك، توتير، انستجرام) في ترميز التافهين، أي تحويلهم إلى رموز".

  أخمن  أن أحدهم صور هذا المقطع من دون أن يكمل قراءة الكتاب! وشارك الصورة، على أن فكرة الكتاب هي هيمنة مشاهير مواقع التواصل على الشأن العام، ثم تناقلتها حسابات كثيرة، ولأن الكثير للأسف، ليس لديهم مانع من مشاركة فكرة كتاب من دون قراءته! فقد انتشر التصور الخاطئ عن الكتاب.


وهذه مفارقة ، فالكتاب الذي حذرنا من استعمال معايير شكلية، انتشر اسمه بيننا من خلال معايير شكلية!

السبت، 28 سبتمبر 2024

هل أنت ضحية التنميط الثقافي؟

  

إن كانت أغلب الكتب المنتشرة في رفوف مكتبتك هي الأعلى مبيعًا لدى مكتبة جرير، وأغلب تفضيلاتك السينمائية مما هو رائج على نتفليكس، ووجهاتك السياحية المختارة مما اعتاد الناس التردد عليه، فعلى الأرجح أنك تفتقر للاستقلالية الذوقيّة.

لا بد من الاعتراف أن رحلة تكوين ذوق ثقافي خاص بك ليست رحلة سهلة، فهي تتطلب جهدًا يوميًا، ووعيًا حاضرًا لمقاومة المؤثرات الثقافية والضغوط الترندية الملحة حولك. لكن عوائدها إيجابية لشخصية الفرد واستقلاليته واتساقه مع ذاته، وأقلها أنه يجعلك مختلفًا عن غيرك!

كثيرون لو سئلوا عن أفضل شاعرٍ من القدماء لأجابوا بالمتنبي أو امرئ القيس، مع أن معظمهم لم يقرأ ولا ديوانًا شعريًا. ولو حصل ووقع اختيار بعضهم من متذوقي الشعر على جرير، ومن ثم ناولتهم أحد دواوينه وطلبت منهم اختيار أفضل قصيدة من وجهة نظرهم، فستكون اختياراتهم على الأرجح متباينةً على عددهم

أستفتح بهذين المثالين للتدليل على ما قد يشوب خياراتنا الشخصية من تنميط ثقافي وتأطير على ضوء معطيات لسنا مدركين لها بالضرورة؛ ففي حين أن انتقاء القصائد المنفردة يميل للذائقة الشخصية أكثر، إلا أن تفضيل المتنبي أو امرئ القيس أو جرير نابعٌ من قولبة ثقافية مسبقة، وستكون هذه القولبة موضوع مقالتي القصيرة.

 

زعم أن القولبة الثقافية تجعلنا نحيد قليلًا عن اختيار ما هو أنسب لنا شخصيًا، وذلك من حيث أنها تجعلنا نفكر من خلال إطارٍ مسبق يؤطر حتى اختيار ما يناقضه. ولعل النكتة القائلة بأن شخصًا ذهب إلى إحدى البوفيات وطلب تشيز برگر بدون جبن مثالٌ مناسب على ما أقوله؛ فهذا الشخص يرغب في الحقيقة ببرگر عادي، ولكن الوصول إلى هذا الاختيار تطلب منه المرور بالتشيز برگر منقوصًا، أي بالتفكير عن طريق ما هو مضافٌ أصلًا.

وكذلك لو أعطينا ديوان جرير للشخص نفسه في فترات ومزاجيات متباينة، لوجدنا تقييمه واختياراته هي الأخرى غير ثابتة، وذلك عطفًا على حالته النفسية جراء وقوعه في الحب مثلًا أو جراء حنقه على شخصٍ ما. سوى أن ذلك لا يعني أنه سيفكر بالضرورة خارج إطار تفضيله لجرير بحد ذاته، وهو التفضيل الناتج عن التنميط الثقافي.

يؤدي بنا ذلك لاستنتاج مبدئي: إن التنوع منطقي وصحي. منطقي من باب أن لكل منا ذوقه الخاص، وصحي لأن الحياة ستكون مملة لو امتلكنا جميعًا الذوق نفسه. وليست التفضيلات الثقافية موضوعية ومبنية على قيمة العمل وحسب، بل هي أيضًا تنطلق من ذاتية تناول المنتج الثقافي، سواء كان رواية أو فيلمًا أو قصيدة أو منحوتة، إذ أننا سنتناولها من خلال تجاربنا وأذواقنا الشخصية. فكون روايةٍ ما نوبلية لا يعني أنها ستلاقي قبولًا عند الجميع.

من أين يأتي التنميط؟

أجرى عالم النفس الاجتماعي سليمان آش 📺 تجربة جميلة عن تأثير الجماعة على اختيارات الفرد. في التجربة، وضعت قبال المختبِر ورقة مرسومٌ عليها مجموعة خطوط متجاورة وخط متباعد عنها بعض الشيء، ومن ثم يُطلَب من المشارك  اختيار أي خط من المجموعة يتطابق طوله مع الخط المنفصل.  

أقيمت التجربة على مرحلتين. في المرحلة الأولى، يكون المشارك بمفرده، وقد بلغت نسبة الإجابات الصحيحة 99%. أما في المرحلة الثانية، يكون المشارك  مع عددٍ من الأشخاص الذين يعتقد أنهم مشاركون  حالهم حاله، ولكنهم في الحقيقة جزءٌ من التجربة. يقوم هؤلاء الأشخاص باختيار إجابة خاطئة بين الحين والآخر لتضليل المشاركين والتأثير عليهم، ثم يراقبون ما إذا كان المشارك سيحاكيهم أم أنه سيختار الاجابة التي تعبر عن ذاته بغض النظر عن اختيار تلك المجموعة. أجرى  آش اختباره على كل شخص اثني عشرة مرة، وقد بلغت نسبة الإجابات الخاطئة هذه المرة 76%. أكثر من ثلثي المختبرين كذبوا حدسهم السليم واختاروا إجابة خاطئة تحت تأثير الأقران

وإني إذ كتبت هذه المقالة القصيرة بعد نزول فيلم The Irishman 🎥 بفترة وجيزة، أتأمل في كمية الإعجاب والأصداء التي تلقاها ذلك الفيلم الطويل، في حين وجدته مستهلكًا وذا أداء رتيب. فهل كانا متولدين من الفيلم نفسه، أم كان للأسماء الشهيرة فيه ولدعاية نتفلكس الضخمة دورٌ أكبر؟ في كلتا الحالتين، لم أمتلك شجاعة إبداء رأي معارض له

وقد تكرر موقف مشابه حين زرت متحف اللوڤر وتهت بين روائع الفن، وحرت في كيفية توزيع وقتي المخصص للمتحف (أربع ساعاتٍ إن لم تخني الذاكرة) على مختلف اللوحات. وعنى ذلك أن علي اختيار عدد محدد من اللوحات، والموناليزا ستكون بلا شك إحداها، فكيف تقول للناس أنك زرت اللوڤر ولم تقف عند الموناليزا؟

وحينما سألت أحد العاملين هناك كيف أجدها، أجابني بأن العثور عليها سهل، حيث أنها اللوحة الوحيدة التي يقف قبالها أكثر من ثلاثة أفراد. ولقد صح كلامه تمامًا، ففي حين لا يتجاوز عدد الواقفين أمام روائع الفن الموجودة هناك ثلاثة أو أربعة أشخاص، وجدت أمام الموناليزا أكثر من أربعين شخص يرفعون أياديهم محاولين التقاط صورة تذكارية، كأنهم متجمهرون أمام خباز رافعين أياديهم بالنقود منتظرين التميس. والعجيب أن في المتحف معروضات تفوق روعتها الموناليزا، من رسومات ومنحوتات، ولكن الهالة التي تحيط بها تجعلنا ضحايا القولبة الثقافية.

 

تنميط متفش ومتسارع

زاد تأثير القولبة الثقافية مع بروز مواقع التواصل الاجتماعي وسرعة انتشار التقييمات عبر الحسابات الشخصية. ولعلكم لاحظتم في تويتر ظاهرة غريبة: يثني أحدهم على مادة ثقافية، سواء كانت كتابًا أو مجلة أو حلقة بودكاست، قبل أن يطلع عليها فعلًا، والسبب في ذلك أن هنالك حملة تويترية من الثناء على هذه المادة. بل هناك من غرق في القولبة لدرجة أن ملكة الذوق السليم لديه باتت معطلة تمامًا

ولا يعني ذلك تجاهل انطباعات وآراء الآخرين. فأنا شخصيًا أستفيد مثلًا مما يطرح في گودريدز أو IMDB في التعرف على الكتب أو الأفلام والمسلسلات الواقعة ضمن دائرة اهتماماتي. وثمة اعتبارٌ آخر في أن تقييمات المختصين في مجالٍ ما أفضل من غيرهم، إذ أنهم يبذلون جهدًا أكبر في التعمق بالمنتج الثقافي الواقع ضمن نطاق اهتمامهم. ولكن ذلك لا يعني بتاتًا أن يكون الفرد أسير تفضيلات المختصين أيضًا.

من خلال الطرح أعلاه، يتضح ما ذكرته في مقدمة المقالة أن تكوين الذوق الثقافي المستقل ليس سهلًا، وذلك عطفًا على تطلبه جهدًا ومقاومة مستمرين للتنميط الثقافي الصريح والمستتر. وأقول مجددًا أن ذلك يستحق، لا أقلًا لأنه سبب في اختلافنا عن الآخرين، بل من باب أنه يجعلنا نقتحم أبواب المجهول كذلك

الاثنين، 1 يوليو 2024

ماذا بعد القراءة؟


 

 

في لقاء طارق خواجي مع أبي مالح، ذكر أنه لا يوجد أي مفخرة كونك تعرف نفسك بأنك قارئ، لأن القراءة في حد ذاتها ليست مقصودة لذاتها.

 

تذكرت هذا الحوار، لما رجعت إلى مفضلة حسابي في إكس، فبعد أن أخفى إيلون ماسك الإعجابات، وجدت فيها الكثير من التفضيلات لتغريدات عنصرية! لكن لم يكن هذا مقصودي، رجعت إليها لأنقل عناوين الكتب التي عملت لها تفضيلات، إلى ملف خاص بالكتب، وجدت الكثير من الكتب! لو أنهيت كل أسبوع كتابا، سوف أحتاج إلى ١٠ أشهر حتى أفرغ منها.

 

 

أين المخرجات؟

 

مرت علي حسابات لأشخاص، يذهبون كل سنة، لعدة معارض كتب، يخرجون منها، بأكياس من الكتب، آخرون يضعون صورا لكتاب مختلف كل يومين! لا أتحدث هنا، عمن يدعي أنه قرأ كتابا، ولم يقرؤه، هؤلاء لا أصافحهم، أتحدث هنا، عن من يقرأ  هذا الكم الهائل من الكتب، لماذا لا يوجد مخرجات مقابلة؟ النهم العالي في قراءة الكتب، لا بد أن ينتجه عنه، كتب أو على الأقل مقالات مطولة، و ليس مجرد : "هذه أعظم رواية قرأتها حتى هذه السنة".

 

بالتأكيد، أعلم أن قدرات الناس ليست واحدة، بعضهم لديه قدرات محدودة في الفهم و التعبير عن الأفكار، أصنف نفسي واحدا منهم، لكن تحدث هنا، عن شخص قرأ ٢٠٠ رواية، ثم لا يستطيع أن يقدم فكرة بقالب قصصي مشوق، لا أريد منه أن يكتب رواية، على الأقل، أن يستفيد من الأساليب القصصية التي مرت عليه.

 

 

في هذه الخاطرة، سوف أتحدث عن فكرة إذا لم ينتج عن كثرة قراءات، مخرجات معرفية، فلديك خلل في القراءة.

 

 

الفخ الرقمي:

 

يوجد في فضاء إكس، الكثير من الحسابات المعتنية بالكتب، حساب يضع صور مشترياته من معرض الكتاب، آخر يضع صورة لكتاب مع كوب قهوة، لا أدري ما المشكلة مع كوب الشاي،  ثالث يصور مقطعا من رواية، رابع يذكر معلومة في كتاب قرأه، و هذا سلوك متفهم ومنطقي، فإكس ليس مجرد تطبيق، إنما عالم آخر، نمارسه فيها جزء من سلوكنا الاجتماعي.

 

 كما أنك إذا جلست مع صديق ، في مقهى و سألك وش من جديد؟ فترد عليه بأنك قرأت كتاب رياض الريس، ووجدت فيها معلومة لطيفة،  أن أصل تسمية زنجبار، فارسي، لأن الزنج باللغة  الفارسية السواد، ثم يتفرع من هذه المعلومة نقاش بينك وبين صديق.

 

 لن  يعيد صديقك المعلومة التي ذكرتها، عكس الفضاء الرقمي، وهذا هو  الفخ الرقمي.

  حتى يحصل محتواك على تفاعل كبير، لا بد أن يكون جذابا، لا يكفي أن تصور كتابين من معرض الكتاب، لابد أن تحتوى الصورة ٢٠ كتابا أو أكثر، لا يكفي أن تصور رواية، لابد أن تعلق : " بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لن تكون نفس الشخص!"

 

 

 

الامتلاء الكاذب:

كنت في جلسة مع أصدقاء، جرى الحديث عن كتاب: الدولة المستحيلة، لوائل حلاق، تناقشنا حوله، لم يكن واحد منا قد قرأ الكتاب! مداخلاتنا في الحوار، مجرد انطباعات تلقيناهم من نقاشات إكس عن الكتاب، ولقاءاته التلفزيونية، هذا من عيوب الأوساط الرقمية الثقافية.

فهي من جهة تحمسك لمواضيع ثقافية، لكنها في نفس الوقت، تضعف رغبتك في قراءة الكتب، لأنها تشعرك بالامتلاء المعرفي الكاذب.

 

أنا شخصيا، لا أعتبر مخلصات الكتب، أو حلقات البودكاست عن الكتب، مغنية عن قراءة الكتاب، بل هي تصلح مدخلا لفهم فكرة الكتاب، لكن حتى تفهم الفكرة ، لابد أن تطلع على كيفية بنى الكاتب أفكاره، المنهجية التي سار عليها في التوصل لاستنتاجاته، ليس المهم فكرة الكاتب، المهم كيف توصل إليها، هذا ما يعطي الفكرة ثقلها المعرفي.

وائل حلاق مثلا في الدولة المستحيلة، تحدث بإسهاب عن كون الحكم الإسلامي التقليدي حكم أخلاقي، يراعي تنمية الجانب الأخلاقي، بينما الدولة الحديث المعاصرة، ليس من اختصاصاتها تنمية الجانب الأخلاقي، ثم كيف توصل بعد ذلك، إلى بقية أفكاره. 

من العبث النقاش حول فكرته النهائية، دون الوقوف عن المقدمات.

 

 

القراءة المسيسة:
مهنا المهنا، ناشط كويتي في المجال الثقافي، يتحدث كثيرا عن الكتب، يصور حلقات مرئية وخلفه مكتبة، مع ذلك لم يستفد مطلقا من قراءاته، لأن لديه أفكارا محددة: الماسونية تحكم العالم وخلفها اليهود، الدولة العثمانية دولة عظيمة، الوهابيون و أتباع ابن تميمة متوحشون، فهو يبحث في الكتب عن ما يدعم أفكاره، و يتجاهل ما يضادها.

 

المهنا مجرد مثال لأناس، تمضي سنوات وهم بين الكتب، مع ذلك لم تتغير قناعاتهم، أناس أمضوا ٤٠ سنة في المجال الثقافي، لم يتراجعوا عن أي فكرة، هل هذا معقول؟  هل لديهم وحي إلهى يرشدهم.

 

إذا كان مقصودك في القراءة مجرد تدعيم قناعات مسبقة، فستكون شخصا مزعجا، فلن تكون الجاهل، الذي من الممكن أن يرد عليه، بذكر معلومة مضادة ، وليس لديك مرونة فكرية، لتقبل تصورات مخالفة.

 

تقييد الأفكار: 
شكوت لمعلمي في المرحلة الثانوية، بأني أنسي ما قرأت، بعدما أنتهي من الكتاب، فقال لي أسوء نصيحة سمعتها في حياتي: قراءة الكتاب، تحسن من فهمنا ووعينا، لا يهم إذا نسيت ما قرأت! في الواقع إذا لم تدون أفكار ومعلومات الكتاب و تتأملها وتفكر بها، فلن يتحسن مستوى وعيك، و ستكون قراءة الكتاب، مثل قراءة جريدة، تأثيرها محدود جدا.

 

شاهدت قبل فترة مقطعا لمؤثر في منصة إكس، يكرر نفس النصيحة السيئة، أقول سيئة، لأن هذا المؤثر له بها ثمان سنوات، بلا مبالغة، يتحدث كل يوم عن كتاب، مع ذلك لم يكتب أي مقالة فضلا عن كتاب، كل تعليقاته عن الكتب: هذا كتاب مميز في علم النفس الوجودي، هذه رواية إيطالية رهيبة، هذا فكتاب فكري يصدع بالراس!

 

الشخص الذي لا يدون أفكار الكتاب، مثل شخص يذهب إلي محاضرة جامعية، من دون أن يقيد شيئا، مجرد ضياع للوقت والجهد.

 

 

 

 

الكتاب المناسب :
نصحني صديق بقراء رواية موبي ديك، بدأت بها ثم توقفت، بعد مدة،  قرأت لمثقف عربي، أنه قرأ هذه الرواية مرغما، لأنها مشهورة في الوسط الثقافي!

أحد أسباب ضعف الانتفاع من قراءة كتاب، قلة الاستمتاع به، مهما تكن الدوافع، لا تضيع وقتك وجهدك في قراءة ما لا تستمتع به. الكتب أنواع وأشكال، يوجد العشرات من الكتب عن تاريخ الدولة الرومانية، عشرات الكتب عن النحو، عشرات الكتب عن فن الطبخ! لا ترغم نفسك على قراءة كتاب محدد، إذا كنت مهتما بموضوعه، سوف تجد بدائل أفضل منه.

 

حرية النقد:

أخمن بعد نشر المقال، سوف أجد تعليقات من نحو "  وش دخلك، خل الناس تقرأ كما تشاؤون، خل الناس تصور كما يشاؤون!"

 

 بالتأكيد هم أحرار، لم أمنعهم من ذلك! أنا هنا فقط أعبر عن رأيي!

 

 

 

 

 

 

 

   

 

 

أ

 

 

السبت، 22 يونيو 2024

كيف يفسر مفهوم الضولة، هوسنا بكرة القدم؟


 

تعمل سلمى في جامعة سعودية، لم تكن تهتم بكرة القدم كثيراً، فقد مضت عشر سنوات على آخر مشاهدة لها لمباريات كرة القدم، تحديداً في عام 2010 عندما أقيمت في جنوب أفريقيا، لكنها تابعت بشغف كأس العالم الحالي، ما سبب متابعتها هذه المرة؟

 

وضعت الجامعة التي تعمل بها شاشة كبيرة، لعرض مباريات كأس العالم، توقفت سلمى بالصدفة مع زميلة وشاهدت مباراة، استمتعت بالمشاهدة واستمتعت أكثر بمشاركة شعور إيجابي مع زميلاتها، لتقرر فيما بعد أن تشاهد ما تستطيع من مباريات كأس العالم.

 

ما حصل لسلمى حصل لي أيضاً، يتردد صديقي وليد على شيخ لضبط حفظ القرآن لم يكن صديقي يشاهد مباريات كرة القدم، لما ذهب إلى الحلقة بعد مباراة السعودية ضد الارجنتين، وجد الشيخ يوزع حلوى الفوز على طلاب الحلقة الصغار، ثم تحدث مع زميلي عن جوانب فنية في المباراة، بعدها بأيام دعاني زميلي وليد مع شيخه لمشاهدة مباراة السعودية ضد بولندا، علما أنني وصديقي وليد لا نشاهد مباريات كرة القدم، لكن وجدنها فرصة لمشاركة أوقات ممتعة مع حافظ للقرآن بالقراءات العشر.

 

أعتبر حالة سلمي وليد مثالين لفكرة أن الهوس الكبير بمتابعة كأس العالم، لا يعود إلى أن كرة القدم لها جماهير طاغية، إنما لأنها مناسبة للتواجد مع عدد كبير من الناس، يتحول البعض تدريجياً للاهتمام بها، رغبة في مشاركة محيطه الاجتماعي أوقاته السعيدة.

 

يوجد مصطلح اجتماعي اسمه (الضولة)، قد لا يكون دارجاً، لكن أعتبره أفضل معبر عن هذا السلوك، تعني الضولة اجتماع الناس حول حدث من غير تخطيط، كما حدث مع سلمى ووليد، بغض النظر هل الحدث جميل أو سيئ..

 

 

 فالإنسان كائن اجتماعي، يفضل أن يكون جزء ممن حوله، لا يرغب أي واحد منا أن يظل معزولاً عن أحاديث من حوله، حتى لو كانت هذه الأحاديث من النوع الذي يكره، بل الإنسان الانطوائي، يجد متعة في متابعة حدث بجواله، أو التحدث عنه مع صديق

 

 

لاحظت خلال معرض الكتاب الماضي، أن دور النشر التي يجلس عندها البعض ويتحدثون داخل دار النشر، يجذبون أشخاصاً أكثر من دور النشر التي لا يجلس عندها أحد، ولما كنت في مطار الملك خالد الدولي، لاحظت أن المقهى يظل خلواً لا يقف عنده أحد، بمجرد أن يقف عنده زبون أو اثنان، يتكون طابور من الزبائن لا يقل عن ستة أشخاص.

 

لعل توتير يمثل أبرز منصة لمفهوم الضولة، حيث يوجد حسابات لا تقدم أي محتوى مفيد أو لغة مهذبة، لكنها لأنها تثير جدلاً وتحظى بردود وتعليقات حتى لو كانت شتيمة، نجد الكثير يتفاعل مع محتواها.

 

الضولة في الأدب الشعبي:
تكاد تختفي كلمة الضولة من الاستعمال الشعبي، خلال بحثي في الانترنت، 
وقعت على قصة وجدتها، تكون (الضولة) محورها، بل  يمكن أن تُعتبر هذه الأبيات، أشهر أبيات شعرية ورد فيها كلمة(الضولة).
خرج محمد بن مهلهل الشعلان الرويلي في أحد الأيام من بيته ذاهبا في طريقه فصادف رجلين يتعاركان فغلب أحدهما الآخر فما كان من المغلوب إلا أن انتخى بمحمد وقال : ( تكفى يا ابن شعلان ) وهو يعرف محمداً، فالرجلان من نفس عشيرته، فجرد محمد سيفه وقتل الرجل الآخر وهو لا يقصد قتله،  ثم غادر محمد عشيرته خوفاً من القصاص. 

ظل محمد الشعلان خارج الديار لمدة طويلة، حتى أتاه الخبر بأن أهل المقتول قبلوا الفدية وأنه يستطيع العودة، فرح محمد كثيرا واتجه على الفور إلى قبيلته.

 وبينما هو على مشارف بيوتهم التي اشتاق إليها كثيرا رأى ( ضول ) أي جمعاً من الناس ، متجمعين على مورد للماء، فقال : لم لا أذهب وأرى ماذا يحدث ؟ وذهب هناك، ووجد رجلين يتقاتلان وأحدهما يطارد الآخر وبيده سيف يريد قتله فما كان من الهارب إلى أن لاذ وراء محمد وقال :( أنا بوجهك يارجل ) فأتى ذلك الرجل خلفه يريد قتله وهو من وراء محمد الشعلان فقال له محمد : ( بوجهي يارجل ابعد عنه ما تجيه )،ولكن ذلك الرجل لم يكترث بكلام محمد وهو ينوي قتله،وهنا غضب محمد وسل سيفه وقتل ذلك الرجل، ثم غادر الديار مرة أخرى،  و أنشد قصيدة،  منها هذه الأبيات:

 

 

ليا شفت ضول الناس بالك تعسّه

                                           وإن جنّبك شر المخاليق خلّه 

لو عندنا من غيب الأيام رسّه

                                          الآدمي مصلوح نفسه يدلّه

لمحمد الشعلان موقف سلبي من الضولة، فقد جلبت له المتاعب، لكن قد يكون لطبيعته المندفعة دور في ذلك، بالمقابل يرى معظم الناس في الضولة وسيلة للانتماء لحركة اجتماعية.

كل يحوش النار لقرصه

يفرق المختصون في التسويق الرقمي بين المحتوى الدائم والمحتوي المؤقت، حيث يحصل المحتوي المؤقت المرتبط بحدث على تفاعل كبير، لكنه سرعان ما يخبو.

 

توجد شريحة متعلقة بمباريات كأس العالم،  سواء كانوا لا عبين أو مشجعين، يستفيد منهم قطاعات معروفة مثل شركات الطيران والفنادق، لكن يوجد شريحة أخرى تستفيد من الوهج الإعلامي للحدث، مثلا مسؤول التواصل الداخلي في شركة، يقرر جلب شاشة عرض لعرض المباريات، كنشاط لتعزيز اللحمة داخل أعضاء الشركة، مصمم فيديوهات، يعرض انتاج فيديو قصير عن المناسبة وتستخدمه جهة كوسيلة تسويق، طبيب ينشر صورته القديمة مع أحد اللاعبين  الذين عاجلهم قبل فترة، ليفتخر  بأنه شارك في إنجاز الكوري من خلال علاج اللاعب، فتاة ترغب أن تكون مودل، تختار مقعداً مميزاً في مدرجات المشجعين، لتلتقطها عدسات التصوير، شاعر ينظم أبيات  شعرية بالمناسبة، رسام يوثق فرحة جمهور برسمه.

 

أخمن أن الكيانات الكبرى من شركات وجهات حكومية لا تستفيد كثيراً من التواجد في الضولة، فهي كيانات أكبر من أن يحسن من سمعتها مقطع ترويجي أو فعالية داخلية، لكن يستفيد من الضولة أفراد، فهي أكبر من إمكانياتهم! وتقدم لهم فرصة للحصول على رأس مال اجتماعي.

 

 

هل تدوم الضولة؟

من القواعد الاجتماعية أن يأتي بسهولة، يذهب بسهولة، شعور التعلق بمناسبة لا يدوم كثيراً، لذلك كنت أتعجب ممن يرى أن تعاطف العرب مع فرقهم في المونديال، يمكن أن ينعكس على تعاطفهم مع بعض في قضايا كبرى، الأشخاص الذين حصلوا على تمجيد في مباراة الأرجنتين، حصلوا على تبخيس في مباراة المكسيك.

 

لذلك إذا كنت في (ضولة )ما، حاول الاستفادة منها بقدر الإمكان، على الأقل مشاركة الشعور مع أصدقاء، فهي  تجربة حلوة، كما حصل سلمي ولي، لكن لا تعتمد علي دوامها طويلا.

 

 



 

الأحد، 30 يناير 2022

ما الخطأ مع الصوابية السياسية؟ مقال نشر في منصة حكمة

 اجتمع كثيراً مع صديقي أحمد، فهو شاب مثقف ولطيف ويحاول جاهداً ألا يجرح مشاعر من أمامه، عرفني في آخر لقاء معه على كتاب:  أن تحقق ذاتك: كيف يحارب الخيرون التحيز. للكاتبة الأمريكية دولي تشو.

تعني دولي بالخيرين هنا أمثال صديقي أحمد الذين لديهم وعي بخطورة التحيز، لا يستهدف الكتاب بالتأكيد أي شخص لا يرى في التحيز أي رذيلة.

تنبهنا دولي إلى أن بعض الخيرين يستخدمون عبارات تبدو جميلة وإيجابية لكنها تستبطن تحيزاً، مثلا تقول لصديقك الصيني الذي أحرز درجات متدينة في الرياضيات: غريب أن تكون درجاتك في الرياضات متدنية، فالصينيون معروفون بإجادة الرياضيات.

إن كان ظاهر العبارة إيجابياً إلا أنها تستبطن حكماً مسبقاً يجرد الشخص من إرادة حرة تستطيع أن تختار مساراً لها بخلاف الشريحة التي تُصنف منها.

تدعونا دولي أن نتعامل مع الأشخاص من حولنا على أنهم ذوات مستقلة وألا نقولبهم في أي قالب (جندري-عرقي-ميل جنسي) حتى لو كان برأيك هذا القالب إيجابي، لأنك بهذه الطريقة تسلبه ذاته المتفردة وتتعامل معه كفرد ضمن مجموعة.

تستلهم دولي في كتابها مذهب الصوابية السياسية وهو مذهب له أنصاره ومخالفوه، سوف تتناول هذه المقالة تعريفا موجزاً بالصوابية السياسة ثم تناقش لماذا فشلت في تحقيق أهدافها؟

تاريخ مصطلح الصوابية السياسية

 اختلف اليساريون في الغرب في عشرينيات القرن الماضي حول الموقف الصحيح تجاه طريقة إدارة جوزيف ستالين للحرب الشيوعي.

اعتبر بعض اليساريين أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي هو المرجع الصحيح لتطبيق النظرية الاشتراكية، لذلك دافعوا عما يفعله ستالين حتى وإن كان يظهر للأخرين أنه مجرد دكتاتور يدير الحزب بطريقة تخالف مبادئه مثل المساواة بين البشر، فيما هاجم الاشتراكيون هذه الفكرة معتبرين نقدهم هو الصواب السياسي في الموقف الصحيح تجاه طريقة إدارة ستالين للحزب.

اختفي تداول المصطلح لعقود حتى عاد في فترة السبعينات الميلادية عندما استعمله بعض الليبراليين ممن عرفوا باليسار الجديد في أمريكا كنوع من النقد الذاتي للتيار اليساري.

ثم أعاد استخدامه المحافظون الجدد في مطلع التسعينات لوصف محاولة اليساريين لفرض رؤاهم الثقافية في الجامعات الأمريكية.

ترجع حساسية المصطلح إلى أنه محمل بحمولة نقدية سواء من يتفق مع رؤى المصطلح أو يختلف معها.

ما  الصوابية السياسية؟

صادف خلال كتابتي للمقال مشاهدتي لحلقة من مسلسل curb your enthusiasm   الموسم الحادي عشر، حيث طلب الممثل لاري ديفيد سائقا لكي يحمل أمتعته ويسوق السيارة من المطار إلى مكان تصوير عمل فني، وصل السائق وتبين أنها فتاة نحيلة بالكاد تقدر على حمل أمتعة لاري.

طلب لاري من الشركة تغيير السائقة، فقالت له الموظفة وهو تستدرجه لماذا هل تريد تغيير السائقة؟ هل تود سائقة أكثر جاذبية (تقاوم الصوابية السياسية تنميط المرأة كإنسان مغري للرجل)
لم يستطع لاري تغيير السائقة مع ذلك لامه زملاؤه كيف لا يساعد الفتاة في حمل أمتعته، رد عليهم لاري بأن الفتاة ترفض ذلك (تقاوم الصوابية السياسية تنميط المرأة كإنسان أضعف من الرجل)

توضح هذه الحلقة بطرافة طبيعة الصراع الثقافي بين مؤيدي الصوابية السياسية وخصومها.

تستلهم الصــوابية الــسياسية منهجية التحليل الماركسي والتي ترى مشاكل العالم من خلال الصراع بين شريحتين، تسعي الأقوى منها لفرض شروطها على الأضعف. والتي تختلف بطبيعة الحال من مجتمع لآخر.

استعانت الشرائح المهيمنة في الماضي بوسائل مادية لفرض شروطها، فيما استعاضت حالياً عنها بوسائل نفسية.

مثلا يرى المناصرون للصوابية السياسية أن شريحة الرجال البيض تهيمن على المجتمع الأمريكي وتفرض رؤاها ومعاييرها على غيرها، وتضع البقية في قوالب ذهنية (المرأة مغرية جنسيا وأضعف من الرجل) الأسود (مجرم وعنيف جنسياً) المكسيكي (مهاجر غير شرعي- يتجر بالمخدرات) المثلي (ضعيف وليس لديه كرامة)

تهدف الصوابية السياسية لتنبيه المجموعة المهيمنة التي تحصل على امتيازات لا يستشعرها أفرادها، أن بقية شرائح المجتمع يعانون من غياب هذه الامتيازات لهم. فمن امتيازات الشريحة المهيمنة أن معايير النجاح مصممة أساساً لهم وليس لبقية شرائح المجتمع، أن الطرائف التي تطلقها على غير من الشرائح الثانية لا تجرح مشاعرهم فحسب، بل تعمل بمثابة قيد خفي عليهم يعيقهم من التقدم.

تبدو الصوابية السياسية مذهبا مثالياً يسعى لمحاربة التحيز وتذليل العقبات أمام الشرائح المهيمن عليها، فما الخطأ في طريقتها؟

الدوغمائية

اختلاف الأفكار بين البشر حقيقة ثابتة في كل تاريخ البشرية، لكن معضلة الحوار مع المتحمسين للصوابية السياسية أنه لا يمكن إجراء حوار مثمر معهم! لسبب واحد فهم يعتبرون ما يؤمون به حقوقا لا يمكن النقاش حولها.

مثلا يرون من حق سيدة حامل أن تمنع عرضا كوميدياً إذا تضمن طرفة عن النساء الحوامل، من حق الأمريكي الأسود الحق أن يسقط تمثالاً لشخصية تاريخية لأنها أساءت التعامل مع أجداده.

 ليس هذا فحسب بل إنهم لا يتورعون عن التدخل في نواياك وعقلك اللاوعي، يعتبرون أن فتح الرجل باب السيارة لفتاة يعكس نظرة سلبية ترى في الفتاة كائنا ضعيفا يستحق الدعم أو كائنا جنسيا يُستغفل بالتلطف.


لم تنجح المذاهب المنغلقة فكريا على مدار التاريخ لأن الواقع المعقد يتطلب مرونة فكرية في التعامل معه، ولن تنجح أبداً في حاضرنا لأن تشابك المصالح الآن أشد.

مثلا كيف سوف تتعامل الصوابية السياسية مع صناعة الكوميديا المعتمدة على السخرية من التصورات النمطية؟  تعمل أقسام التسويق في الشركات من خلال استهداف شرائح ضمن قوالب ثقافية واجتماعية، هل سوف تنسف الصوابية السياسية طريقتهم وتطلب منهم التعامل مع العميل كفرد وليس كعينة من شريحة؟

تقوم الأديان والأحزاب السياسية على تصور تصنيف البشر دينيا وسياسيا، كيف تستطيع الصوابية السياسية بحدتها الفكرية التي لا تقبل المساومة أن تتعامل مع عالم شديد التعقيد والترابط؟ 

التدمير الذاتي

تطمح حالمة التيارات الطهورية لتغيير العالم، لكنها تفشل سريعاً في ذلك، كلما أوغل فرد من التيار في تبني أفكار التيار، كلما زادت خلافاته مع أفراد التيار الذين لا يتفقون معه في نفس درجة تبني الفكرة. الخوارج في التاريخ الإسلامي وقادة الثورة الفرنسي في التاريخ الأوربي مثالان واضحان على القدرة التدمرية للتيارات الطهورية التي لا تعترف بأدنى درجة من الاختلاف معها.

تعتبر الصوابية السياسية مثالاً معاصراً على الحدية الأخلاقية تعود بالضرر على أفراد التيار قبل غيرهم.

لم يتحمس أفراد الصوابية السياسية للتصويت لهيلاري كلنتون عام 2016 لها في نظرهم ل متواطئة مع النظام الذكوري، والنتيجة فوز سهل لترمب الذي يمثل كل ما تحاربه الصوابية السياسية وهو خيار أشد سوء من هيلاري.

 كما لم تنجح أفراد الصوابية السياسية من كبح جوردن بترسون المعادي لها، فكتبه الأعلى مبيعاً، فيديوهات حلقاته تصل مشاهداتها إلى الملايين مشاهدة.

يعلل جوناثان كاي وهو يساري مقتنع بتوجهات الصوابية السياسية ذلك بأن أتباعها ينشغلون في خصومات داخلها أكثر من توحيد الجهود ضد خصومها.

ذكر ستيفن فراي وهو يساري إنجليزي يهودي ومثلي جنسياً في مناظرة منك  munk debateحول الصـــوابية السيــــاسية: قوة للخير؟ أن صعود التيارات اليمنية في أمريكا وأوروبا لا يرجع إلى كفاءتها وإنما لفشل اليسار في تقديم نموذج جذاب  المنشغلة بصراعاتها الداخلية.

السياق أهم من الكلمة

يوجد علاقة بالتأكيد بين اللغة التي نستخدمها ونوعية التفكير، لكن ليس بالقدر الذي يصوره الصوابية السياسية، فالمكان الذي نتخلص فيه من الفضلات مثلا، يسميه البعض بيت الراحة والبعض دورة المياه أو آخرون الحمام، تغير التسميات لا يعني أن تصورنا عنه تغير.

قد أقول عن شخص ما بأنه ذكي وعبقري وأنني أحبه، لا يعد هذا خطأ وفق الصوابية السياسية لكن يعلم الجميع أني أسخر منه، فالسياق والأسلوب أهم من المفردات.

ما البديل؟

إذا لم تكن الصوابية السياسية مقاربة ملائمة للتعامل مع التحيز، فهل يوجد بديل؟

لابد أن نعترف أن التحيز جزء من تركيبة الدماغ البشري وبنائه النفسي، ولا يمكن القضاء عليه تماماً، يوجد أفراد لديهم قدرة أكثر من غيرهم على كبح جماح التحيز، توجد مجتمعات لديها أنظمة وقوانين لمحاربة التحيز أحسن من غيرها، من المهم أن نسعى على الأقل لأن نكون منصفين وعادلين على المستوى الفردي والجماعي ألا يجرنا تحزينا ضد جماعة معينة أن نظلم أحد أفرادها.

أستعمل شخصياً الكوميديا في تقليل حساسية التحيز وتنميطات الثقافية، إذا قابلت شخصا ولمست منه أنه متحيز ضدي لأي سبب (عرقي-مذهبي…) أحاول أن أوجه الحديث نحو طرائف عن الصورة الذهنية السلبية للمجموعة التي أصنف فيها، ليكون الحديث بعدها عن مفارقة الواقع عن الصورة المتخيلة، استفدت هذه الطريقة من تناول الممثل الكوميدي جيري ساينفيليد اليهودي في مسلسله عن اليهود.

هل تناسب هذه الطريقة الجميع، لا أدري.

كما ينصح آلان دو بوتون أن نفصل بين الأدب في مخاطبة الآخرين وتجنب ما يثير حساسيتهم لأي سبب كان وبين الأجندة السياسية التي تصاحب عادة مناصري الصوابية السياسية مثل التغير المناخي ودعم المثلية.

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...