الاثنين، 28 أكتوبر 2024

قصة قصيرة: العبيط.

 


ولدت في عائلة نجدية تقيم في الدمام، وكبقية أفراد العوائل في العالم لدينا أسماء مثل: صالح، علي، إبراهيم، سليمان، وكأي أفراد عائلة نجدية لدينا لقب أو أكثر، وهي تسمية ملطفة من " معيارة"، لكن تمتاز عائلتنا بأن جدي هو من له الحق الحصري في توزيع الألقاب" المعايير"
.

هذه بعض الألقاب:" أبو جبهة" لأن جبهته  كبيرة،  الطعس لأنه يتصرف كقروي،  الملحوس، لأنه يرتبك كثيرا، البنقالي، لأن لون بشرته يميل للسمرة، تميل بشرة أغلب أفراد عائلتنا للبياض،  الجني  إنسان غير اجتماعي،  الثور لأنه عنيف، المفهي، يسرح كثيرا، دود الساس، لأنه يمكر.

 



 منذ أن كنت طفلا، تصور  جدي أنني عنيد،  لذلك أطلق علي ثلاثة ألقاب، ، كل واحد منها يعبر عن مستوى معين من العناد: "النفسية -  العبيط- العوج". 

 للتميز بينها، لنفترض أنه اجتمعت العائلة في صباح يوم السبت، وقرروا تقديم فول وخبز لإفطار للجميع، وأنا متلزم بحمية الكيتو.

إذا امتنعت عن الأكل، وجلست وحيدا، سيقول عني جدي: نفسية!
إذا أكلت الفول بالمعلقة بلا خبز، سيقول عني عبيط!
إذا خرجت من الجلسة، وأحضرت لي فطورا صحيا، وأكلته مستقلا وهم يأكلون الفول، سيقول عني: عوج!

ولو كان يحسن الإنجليزية، لقال عني بلاك شيب.

من بين هذه الألقاب الثلاثة، لصق لي لقب العبيط أكثر من غيره.

 

ألقاب جدي كان لها تأثير مختلف على حياتنا، فمثلا وليد ابن عمي الذي سماه أبو جبهة، أصيب بالصلع مبكرا، مع أن الصلع نادر في عائلتنا، فكانت تتمدد جبته بسرعة، المسكين لم يصل الأربعين من العمر حتى تحول رأسه إلى كرة بيسبول! 

أما البنغالي صالح، فقد حرص كثيرا على الاهتمام بمظهره، وهو أحسنا ذوقا في اختيار الزى، أما أنا فقد منحني 
لقب العبيط" عذرا دائما، من أي تصرفات غبية، نسيت مرة أن أخلع نظارتي الشمسية داخل مبني، و لما سألوني : هل نسيت؟، أجبت: لا، مجرد عباطة! 

 

 

في استراحة اجتماع أحد الأعياد، تحداني مرة أقاربي أن أعد قهوة لهم، كنت حينها في المرحلة المتوسطة، أحاول أن أثبت لهم رجولتي، بإعداد القهوة، دخلت المطبخ مساء و كان ضوءه خافتا، بحثت عن كيس  البن، وجدته ثم طحنت الحب، بعدها بحثت عن كيس الهيل، ووجدته بجانب البن، ثم طحنته ثم أعددت القهوة.
لما قدمتها لهم، كان مذاقها غريبا، سألوني : ماذا فعلت؟ أجبتهم بما حدث.
لكن دخل عمي للمطبخ واكتشف أني طحنت " حب الفصفص" بدلا من الهيل!
 كانت فضيحة! لكنها اعتبروها تصرفا عن قصد مني، لأني عبيط! 

 

 

منحي اللقب العبيط مساحة كبيرة، للتعبير عن ذاتي، واختيار التصرف المناسب لي، من دون خوف نقد أو تقريع، مثلا لما كنت في المرحلة المتوسطة، بدلا من حفظ بعض أجزاء القرآن، كما يفعل أبناء عمي، توجهت لحفظ الحديث النبوي! وبدأت في حفظ موطأ الإمام مالك! وصرت إذا أثيرت مسألة فقهية في اجتماع العائلة، وهم حنابلة مقلدون، أحكي أقوال فقهاء المالكية: " يقول السادة المالكية.." وتقمصت دور فقيه مالكي، مع أني لم أحفظ سوى بعض أحاديث من الموطأ.

 

كلما تأملت حياة من حولي، ممن يعيش تحت قيود اجتماعية، تطمس شخصياتهم، و يعيشون حياة زائفة، شكلتها أمزجة من حولهم،  أشكر جدي على منحني هذا اللقب، إذ من خلاله تصالحت مع رغباتي الغريبة في نظر من حولي.

أول موقف في حياتي مهم، اتخذته بناء على لقبي العبيط، هو دخول كلية الطب، وهو قرار كان مفاجئا لأقاربي،  لأنهم بلا استثناء يعملون في شركة نفطية و كلهم بلا استثناء درسوا في جامعة البترول، و كلهم بلا استثناء درسوا في تخصصات هندسية، فقد كان جدي كثيرا ما يكرر، إذا لم انضممت لجامعة البترول ولم تدرس هندسة، فأنت كمن يعتمر و لا يأكل من مطعم البيك! 

 

لم يكن قراراً سهلا، فقد كان فيه تحد لرغبة جدي/ النصف إلهه، الذي يتحكم بأفراد عائلتنا و الذي أظنه يتصور، أنك إذا مت و جاءك منكر ونكير، بدلا من يسألونك، من ربك؟من نبيك؟ مادينك؟ سوف يسألونك: ما شركتك؟ ما قسمك؟ كم درجة الوظيفية؟

 

 أما موقف أبناء عمي، فقد لخصه تساؤل أحدهم:

=" وشلون تبي تتزوج البنت التي تعجبك وأنت مش مهندس في أرامكو؟"


 + 
عملت طبيبا في مستشفى حكومي بقسم الطوارئ، يتعامل بعض زملائي مع الحالات حسب الخطورة، بينما يتعامل آخرون حسب الترتيب الزمني، الأول فالأول، أما أنا فقد كنت أتعامل معهم حسب التفضيل الشخصي، أقدم علاج الحالة التي أريد فقط حسب مزاجي، في نهاية كل شفت، كنت افتح حساب المستشفى و أقرأ تعليقات المرضى، من قدمتهم على غيرهم، أعطوني تقييم خمس نجمات، من أخرتهم، أعطوني تقييم نجمة مع الكثير من السب، لكن لم يؤثر هذا أبدا على مساري الوظيفي، فقد كنت أتناول القهوة بالمفهوم القديم وليس الحديث مع مديري، المسؤول عن تقييمي الوظيفي كل أسبوع في البحرين،  و كان يضحك حتى تبدو نواجذه ما تقول كتب التراث، من تعليقات المرضى على مزاجيتي في التعامل مع الحالات.

 

ومضت حياتي هكذا، أعمل في قسم الطوارئ، تحصل لي مواقف ظريفة بسبب عباطتي، أحكيها لأبناء عمي، الذين يفتقدون في شركتهم أي مجال للممارسة المزاجية، حتى دخل قسم الطوارئ،  في إحدى الليالي،  رجل مع ابنه، اشتكي ابنه من كسر في ذراعه، لم يعجبني شكله، لذلك جعلت ترتيبه الخامس، مع أنه زمنيا الثالث.
غضب الأب، وبدلا من أن يتحدث بالعربية تحدث بالانجليزية، بلكنة جنوبية، ظانا أنني سوف أخاف منه، و أجعل ترتيبه الأول، لكن رددت عليه بالانجليزية، وليس أي انجليزية، بل بلكنة كندية صرفة، لا يتقنها إلا من قضى الساعات الطوال في حانات كندا يشرب القهوة، تفاجأ من ردي، ثم أخرج من جيبه، جواز ابنه، ملوحا أنه يستحق التقديم على غيره.

و قلت له:
" سم طال عمرك، ما كنت أدري أنه مع الجواز الأمريكي، أبشر أقدم علي غيره، بس لازم تستأذن من اللي قبله كذا السيستم"
و فعلا سأل الموجدين واحدا واحدا، هل يمانعون بتقديمه، أجابوا بلا، بعد أن فرض منهم، جاء إلى، فقلت : لا بد أن تذهب لقسم  لقسم الانتظار النساء، يوجد سيدات هناك، و فعلا ذهب إليهن وطلب أن يقدمهن عليهن، ووافقن.
لما رجع قلت له :
" و الله لو تحب رجلي، منيب معالجن ولدك، وخل جوازك ينفعك!"

غضب الأب وكاد أن يعتدي على، لولا أن الموجودين منعوه، ثم أخرجه رجال الأمن من المستشفي.

 

لم تكن أبدا حادثة اعتيادية في تاريخ المستشفى، تحدث الجميع عنها، شعرت بالفخر لأني كنت عبيطا،  جاءت إلي ممرضة و صارحتني بأنها لم يكن يعجبها مزاجيتي في التعامل مع الحالات، لكن ما صنعته الليلة مع الرجل يستحق ذلك، فقالت: "أخيرا، هذه العباطة جابت نتيجة!" 
وعلق أحد أبناء عمي، وهو شخص يحب أن يفلسف مع أي موقف: " نستفيد من هذا الموقف، قد يكون  من الحكمة، ترك الحكمة" أما مديري الذي كان يدافع عني أمام نقد المراجعين لي، فقال لي: : الليلة بيضت وجهي"

 

لم أنم تلك الليلة، تأملت في هذا اللقب الذي ظني جدي به أن سوف يحطم ثقتي بنفسي، كان مفعوله العكس تماما، فلم أخجل من أي تصرف يبدر مني، حتى لو كان ظاهره غبيا وخاطئ.

 

لكن فخري بهذا الموقف لم يدم طويلا، فقد استدعاني مدير المستشفى، و أراني تصويرا للمقطع الذي حدث بيني وبين المراجع، و أخبرني أنه وصل للمسؤولين في الوزارة، والأفضل أن أقدم استقالتي بدلا من إجراء تحقيق قد ينتهي بفصلي.

حاولت أن أثنينه عن رأيه، لكنه كان متصلبا، خرجت من مكتبه خائر القوى، لا أبصر شيئا ، جلست عند أقرب كرسي، و أنا  أسمع كلمات بصوت جدي:
"عبيط، استقالة، تحقيق، عبيط، مزاجية، عدم احترافية، عبيط، عبيط، فهلوة، خداع، عبيط، استغفال، عبيط.."
 خرجت من المستشفى، توجهت إلى بيت جدي، دخلت عليه، قبلت رأسه و قلت:
" تكفى قل لواحد  من أحد أعمامي يتوسط لي في مستشتفى أرامكو"

 

تمت

 

 





 



الأربعاء، 23 أكتوبر 2024

رقمنة الثقافة.. كيف شوه الإحصاء المشهد الثقافي؟


حضرت جلسة جمعت مجموعة من المهتمين بالمشهد الثقافي، و كعادة جلساتنا كانت مجرد حش الثقافي، من "الحشات" التي أعجبتني أن الفائزة الأخير بجائزة نوبل للآداب، الروائية هان كانج، لا تستحق الجائزة، بينما كانت "حشتي" أن الاقبال الكبير على كتاب في معرض الكتاب، لا يدل على جودة الكتاب.
رد على أحدهم و قال: إذا كان بيع أعداد كبيرة من كتاب، لا يعتبر نجاحا له، هل يعني أن قلة المبيعات تعتبر نجاحا؟!! ثم سمى ما وقعت فيه، " مغالطة عنز لو طار" وضحك الموجودون باستثنائي طبعا
! و هذه الخاطرة، رد علمي على الاتهام الباطل.

 

 خلال كتابة الخاطرة، رجعت إلى لقاء وائل حلاق مع بودكاست فنجان، الذي ذكر فيه في بداية الحلقة، أن بعض حلقات فنجان نجحت وحققت مشاهدات عالية، قلت حتى أنت يا حلاق! أيها الأكاديمي في جامعة كولمبيا، يا من يقوم مشروعه الفكري على محاربة الحداثة، تستعين بالأرقام وهي أداة حداثية لتقييم منتج ثقافي؟!

الفخ الذي وقع فيه حلاق، ليس خاصًا به، فأنا مثلًا، لما رجعت للحلقة للتأكد من دقة النقل، لفت نظري عدد المشاهدات، بالمناسبة قد وصل عددها  إلى مليون ونصف مشاهدة، وأكثر من ٣٤ ألف اعجاب، هل شعرتَ لما قرأتَ هذه الأرقام، أن الحلقة تستحق أن تُشاهد؟ لستَ وحدك، فنحن نعيش في عصر، قائمٍ على الإحصاء، ورقمنة الممارسات، والاستعانة بمؤشرات الأداء، لقياس النجاح.

 

بالتأكيد أن رقمنة الأداء، سهلت من تقييم الممارسات، فعندما يزيد عدد السيارات في بلد، وتقل الحوادث، فهذا مؤشر على تحسن السلامة المرورية في البلد، لكن استعمالها في المجال الثقافي يشوهه.

 


 

فإذا أردتُ مقارنة بين مطعم برجر بآخر، سوف أقارن عدد العاملين مقارنة بعدد الوجبات مثلا، أو درجة تقييم المطعم لدى العملاء، لكن من الخطأ أن أقارن كتابا بآخر، بناء على عدد المبيعات، لأنه يمكن أن أشتري كتابا ولا أقرؤه، لكن لن اشتري برجر ولن آكلها، باستثناء إذا وضع فيها الطباخ فيها مخللا! ومن الخطأ مقارنة ندوة فكرية بأخرى بناء على عدد الحضور، لأنه يمكن أن أحضر ندوة واتصفح جوالي، أو أتحدث مع من يجلس بجاني.

فالعمل الثقافي نوعي وليس كمي، مثله مثل السعادة، والوعي لا يمكن أن ترقمن وتُقيم إحصائيا.

المحزن عندما تنبه لخطأ اعتماد العدد (الأعلى مبيعًا، الأكثر مشاهدة) وسيلة لقياس الجودة في العمل الثقافي، تتهم بأنك نخبوي، متعالٍ على الناس.

 

 

ومن المؤسف أن رقمنة المجال الثقافي تحولت إلى ممارسة مؤسساتية، في كتابه" نظام التفاهة" يوضح لنا آلان دونو، أن المؤسسات الثقافية، وضعت تقييمات سخيفة لتقيم الأداء، لا يمتثل لها الموظف الممتاز، لأنه وعيه أعلى منها، ولا يمتثل لها الموظف السيئ، لأنه مهمل، فقط الموظف العادي، المقصود بالتافه هنا أي الموظف ذي الكفاءة المتوسطة الذي يترقى من خلال معايير شكلية.


 فعندما يُقام مؤتمر علمي، بدلًا من أن يقيم نجاح المؤتمر بجودة ما طرح فيه من بحوث، يقيم من خلال: درجة التنوع العرقي/ الديني / الجندري لدى المشاركين، وعددهم، جودة المكان، الفعالية المصاحبة لها مثل عشاء، و حفلات موسيقية، وغيرها من التقييمات الشكلية، التي يسهل عملها، وتعتمد على مجرد الإحصاء.

ينبهنا  آلان دونو إلى أن الموظف العادي الذي يترقى بسرعة في منظومة إدارية، قطعًا ليس موظفًا كسولًا، لكنه يفتقر للعمق، ويتماهى مع المعايير الشكلية.

فلو أصبح مديرًا لمعرض فني، بدلًا من أن يركز جهده على  رفع جودة اللوحات الفنية،  وهذا عمله الرئيسي، يوجه جهده لجوانب أخرى، كأن يزيد مداخيل المعرض من خلال بيع كتب باهظة الثمن، تكون ملحقة بالمعرض، وقعتُ في هذا الفخ كثيرًا  ،و يجعل تصميم المعرض، ملائمًا لالتقاط صور من الداخل و مشاركتها  على وسائل التواصل، حتى يحصل المعرض على تفاعل رقمي، ويجتهد في جلب أفضل المقاهي دخل المعرض، حتى يتحسن مزاج الزائر بعد شوب كوب القهوة ويقيم المعرض تقييمًا إيجابيًا، فتحقيق " إنجازات " من خلال هذه المعايير، يتطلب جهدًا وعملًا، قد يكون أكبر من الجهد المبذول رفع جودة البحوث المشاركة، لكن الأخير تتطلب عمقًا معرفيًا، بينما الأولى لا تتطلب سوى العمل الشاق الروتيني.

 


خطورة نظام التفاهة، كما حذرنا آلان دونو، أن الموظفين العاديين، يدعمون انتشار المعايير الشكلية، التي تعتمد على الأرقام والإحصاء، حتى خارج منظوماتهم الثقافية، ليسهل عليهم التنقل بين الجهات العلمية والثقافية، ومن هنا جاءت تسميته بنظام التفاهة، ولعل أبرز تشوهات هذا النظام التافه، أن معظم الفعالية الثقافية غدت متشابه جدا، لأن المعايير الشكلية واحدة!

 

ملاحظة:
كتاب نظام التفاهة، ليس له علاقة بارتفاع نفوذ مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مترجمة الكتاب د.مشاعل الهاجري ذكرت في  تقديمها للكتاب، وهي مقدمة طويلة، و من الأفضل تجاوزها! " فقد نجحت هذه المواقع (الفيس بوك، توتير، انستجرام) في ترميز التافهين، أي تحويلهم إلى رموز".

  أخمن  أن أحدهم صور هذا المقطع من دون أن يكمل قراءة الكتاب! وشارك الصورة، على أن فكرة الكتاب هي هيمنة مشاهير مواقع التواصل على الشأن العام، ثم تناقلتها حسابات كثيرة، ولأن الكثير للأسف، ليس لديهم مانع من مشاركة فكرة كتاب من دون قراءته! فقد انتشر التصور الخاطئ عن الكتاب.


وهذه مفارقة ، فالكتاب الذي حذرنا من استعمال معايير شكلية، انتشر اسمه بيننا من خلال معايير شكلية!

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...