سوف أعرض هنا، أبرز المحطات التي استوقفني في سيرة على خامنئي المعنونة ب" إن مع الصبر نصرا" و قد أملاها بالعربية، و تولى مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت طباعتها عام 2009.
علما، أن مذكراته أوسع من هذه بكثير، لكن اقتصر مركز الحضارة على طباعة القسم الخاص بالسجون.
مشروع عالم وليس سياسي:
سيرة على خامنئي ، ثاني سيرة أقرؤها لأحد رجالات الثورة، السيرة الأولى، لأكبر هاشمي رفسنجاني, المساة" حياتي" ، لمست في حديث رفسنجاني عن حياته، أنه رجل أعمال ومقاول، يحسن تنفيذ المشاريع، أو كما يعبر عنه في الإنجليزية make things done, ، و قد أخبرني صديق متابع نوعا ما لأخبار إيران، أن الملفات التي تولها رفسنجاني، لقيت نجاحا.
بالمقابل ، يظهر لي من سيرة على خامنى ، أنه مجاله العلم و التأليف، اقتصر حديثه في ما قبل الثورة على جهوده الدينية، يذهب إلى مدينة ما، يلقى دورسا دينية، يظهر لي أيضا أنه يجيد تعلم اللغات، فقد تعلم لغة مورس، بنفسه، لما كان سجينا، رأى رموزا علي الحائط، ربط بينها و بين ضربات كان يسمعها من سجين في زنزانة مجاورة.
يجيد العربية مع التركية، حاول تعلم الإنجليزية، بل إنه لا يترك فرصة للتعلم أو التعليم، إلا استفاد منها، اجتمع مرة مع سجين عربي من قبيلة الكعبي، فعلمه خامنئ قواعد العربية.
الأسرة:
ولد على خامنئي، في مشهد عام 1939 في عائلة علمية، جده لأمه هاشم الميردامادي النجف آبادي ، أما جده لأبيه حسين خامنئي، تخرج على يديه كثير من علماء تبريز في النجف.
من الطرائف، لما نفي على خامنئي إلى بلدة سكانها من البلوش، كان يلبس مثل لبسهم، حتى يفلت من مطاردة رجال الشاه، فيقول كانت ملامح وجهي، مناسبة للباس البلوشي.
يذكر خامنئي صفة عن أبيه، إذا دخل المسجد، كان يطأطأ رأسه، و لا يتلفت إلى أحد، بعد أن يصلي، يخرج كما دخل، صموتا لا يتحدث كثيرا إلا في المسائل العلمية، يذكر أيضا أنه كان شديدا عليهم، قلت: يقترن عادة، الحدة في الطبع مع قلة التواصل مع الآخرين.
عاشوا في فقر شديد، إلى درجة مع محبة والده للكتب، كان يبيعها حتى يجدوا أكلا.
أما والدته، فهي من مواليد النجف، تعلم منها العربية، كانت تحب شعر حافظ الشيرازي كثيرا.
الكتاب:
عانى علي خامنئي من ضعف بصره منذ الصغر، بل إنه يعزو تصوره لأماكن زارها وهو صغير بأنها مظلمة، بسبب ضعف بصره الشديد، وفي لقاء مع معلمين، ذكر لهم، أن ينتبهوا لضعف البصر، فقد يكون عائقا أمام التعلم.
ذهب للكتاب صغيرا، كعادة المعلمين الذين لديهم عادات غريبة، كان معلمه، يختم على ألسنة الأطفال من تحت، ويقول من لم يصلي الجمعة غدا، سوف يظهر لي يوم السبت أن الختم محي من لسانه، في بداية السبت كان يفحص ألسنة الأطفال.
دخل الابتدائية بعد الكتاب، لكن لم يكمل في التعليم الرسمي، لأن والده خشي أن يفقد الزي الديني.
مع دراسته العلمية التقليدية، فهو من محبي قراءة الروايات، وقد قرأ كل روايات الإسكندر دوما وابنه.
أزمة اللباس:
حرص نظام الشاه على تنفير الناس من الدين من خلال وسائل عدة، من ضمنها السخرية من العمامة، من اللطائف أن خامنئي من عائلة يلبس أفرادها العمامة، مع ذلك وقع تحت تأثير دعاية الشاه، فقد كان مع مجموعة من الأطفال يلعبون، اقترب منهم معمم اسمه الشيخ الفائقي راكبا علي حمار، ردد الأطفال:|
آشيخ ، آشيخ
ليس فيها لفظة نابية، فهي اختصار ل أقا شيخ، و التي تعني السيد الشيخ، لكن صوت الأطفال معا، يجعل منها سخريةو هرب الأطفال إلا على، لما اقترب منهم الفائقي، قال : لماذا أنت أيها السيد!
أذكر في سيرة على الطنطاوي، أنه اعتبر من محاسن مجتمعات الخليج، أن لباس المتدينين فيها، سواء كانوا عواما أو علماء، قريب من لباس بقية أفراد المجتمع، بخلاف بقية المجتمعات، في الشام ومصر، إيران و تركيا، لباس عالم الدين مختلف تماما عن لباس عامة الناس، مما يخلق تنافرا بينهم.
على خامني مثلا، حرم من ميزات التعليم النظامي، من دراسة للعلوم الحديثة، بسبب إصرار والده علي الزي الديني.
علاقته بالخميني:
لم يتحدث كثيرا عن الخميني، سوى أن والده كان صديقا له، و هو صديق لمصطفي ابن الخميني، يذكر أنه طلب العلم عنده، لم يكن الخميني يحتك بالتلاميذ، يلقى الدروس ثم يخرج، أيضا لم يكن لديه أي ميول ثورية حتى عام 1962م.
يذكر رؤيا، أنه رأى سنة 1968 الخميني ميتا، وجمع يشيعونه، ثم يقل عدد المشيعين، حتى بقي قرابة الأربعة، ثم نهض الخميني من النعش و قال له بالفارسية:
" تو يوسف ميشي " مرتين، و التي تعني سوف تكون يوسف.
فعلا، دخل السجن، ثم تولى الحكم، مثل يوسف، لكنه هل له وسامته؟!!
حبه للعربية
بدأ تعلق خامنئي بالعربية، من والدته النجفية، ثم استمر مع دراسته علوم العربية كأي رجل دين، كان ينتهز فرصة قدوم العراقيين لزيارة مشهد، ليستمع لأصواتهم وهو يترنمون بالأ شعار بالعربية، أو يتلون القرآن.
يحرص أيضا إذا ذهب للعراق من إيران، أن يمر على أطول مسافة ممكنة بها عرب،
من الطرائف، عندما كان في النجف عام 1957، أرسلته أمه ليشتري رزا، سأل بائعة: عندكم رز؟ قالت: شنو رز؟ ما عندنا رز!
لما رجع إلى أمه ، قالت له : قل: عندكم تمن بدلا من الرز.
له اهتمام بالشعر العربي، و له تفضيلات، مثلا في المتقدمين يفضل أبي تمام على المتنبي، وفي المعاصرين يفضل الجواهري على غيره.
ذكر موقفا طريفا الجواهري، لما أنشد قصيدة بحضرة محمد حسين كاشف الغطاء، فقال كاشف الغطاء: أنت متنبي العصر! فقال الجواهري: المتنبي كان شاعر سيف الدولة، وأنا شاعر سيف الدين، يقصد كاشف الغطاء.
حرص في السجن، على إجادة العامية العربية، و قد سجن معه مرة أفراد من قبيلة الكعبي، أحدهم يدعى حنش الكعبي، متزوج من ثلاث زوجات، يفكر بالرابعة ، إذا خرج من السجن، فعلا خرج، و تزوج الرابعة!
لما سأله خامنئي ما معني الحنش، رفض أن يعلمه، لكن قال : شيء نخوف به أعداءنا. تعلم منهم الشعر العامي.
سجن مرة أخرى مع عرب، لما أفرج عنه قبلهم، عملوا " هوسه: بالعربي قالوا فيها:
" يا سيد، جدك ويانه" أي معنا.
أول ترجماته من العربية إلى الفارسية، كتاب جبران خليل جبران " دمعة وابتسامة" كان هذا في عام 1960، ترجم أيضا: " المستقبل لهذا الدين" " الإسلام ومشكلات الحضارة" لسيد قطب، الجزء الأول من ظلال القرآن، وكتاب: "صلح الإمام الحسن"، لراضي آل ياسين.
التنظيم الحركي:
المتدينون في العالم الإسلامي، سواء كان شيعة أو سنية، شريحتان، الشريحة التقليدية، التي يكون له نشاط فردي في بذل العلم، ونشر الدعوة، المساهمة بالعمل الخيري، الشريحة الأخرى الحركية، التي تفعل ما تفعله الشريحة الأولى، لكن ضمن تراتبية.
يركز التقليديون في المناسبات الدينية، خطب الجمعة ، مواسم العزاء، علي الفضائل الفردية، صلاة، صيام، بينما يركز الحركيون على نقد الحكومة، كل شريحة تتهم الثانية، بأنها تجهل جوهر الإسلام.
دخل مرة خامني مسجدا، وجد جماعات متفرقة يصلون، سألهم لماذا؟ قالوا: بعضهم يتبع منهج العلماء التقليديين، وآخرين يتبعون منهج الحركيين، مما يدل على شدة الانقسام بين الشريحتين.
ينتمي خامنني للشريحة الثانية، جذبه لها شخصية نواب صفوي، مؤسس حركة فدائيو الإسلام، هو تنظيم عسكري يستهدف اغتيال المعارضين للعمل الإسلامي في إيران، أعدم صفوي عام 1957.
من عادة صفوي، إذا سلم على أحد من أهل البيت، يقول: مرحبا بابن العم!
من الطرائف، خلال تناقلاته الدعوية/ الحركية، ذهب إلي مدينة زاهدان، حل ضيفا علي الشيخ الكفعمي، الذي كان لديه زوجتان، أم هاشم ، أم القاسم، رزق من الأولي 4 أولاد و 3 بنات، ،و من الثانية 4 أولاد و 3 بنات
أسست مؤسسات الدولة " قضاء، برلمان، تعليم، صحة، جيش،" في عهد الدولة القاجارية، و بقيت حتى الآن، مما ورثه المجتمع من الدولة القاجارية المعارضة السياسية السلمية، لكن أسلوب الشاه الحاد في التعامل مع المعارضة، حولها إلى معارضة عسكرية، انتهت بخلع ابنه.
التحق خامنئي ، بأكثر من تنظيم ديني معارض للشاه، لكن أقواها، التنظيمات المرتبطة بالخميني.
لم يكن الخميني الوحيد في معارضة الشاه، لكنه كان الأشرس في النقد، الأطول نفسا، فقد بدأ المعارضة من سنة 1963م ، لم يتوقف حتى خلع محمد رضا شاه.
.
تجربة السجن:
سجن خامنئي كثيرا، أول ما دخل السجن 1962 ، يفرج عنه، ثم يرجع، ينفي إلى مدن داخل إيران.
لكن قسوة نظام الشاه زادت بعد عام 1971م.
من أساليب الضغط النفسي، حلق اللحية، و قد حلقت عدة مرات، وفي مرة أعفته إدارة السجن من حلق اللحية، فاحتج شيخ آخر حلقت لحيته، لماذا لا تحلق لحية السجين في زنزانة رقم 14! يقصد خامنئي، ابن آدم، لا يترك الحسد، حتى في السجن.
كان يحظر في بعض السجون، حديث السجناء مع بعض، فتعلم خامني لغة مورس، ليحدث مع السجناء.
سجن معه شيوعي، كان خامني يتلطف معه، حتى يحبب له الإسلام فقال له الشيوعي: لا تتعب نفسك، لا أؤمن بأي دين! قال له مرة الشيوعي: لما أر مثلك في سعة الصدر، رد عليه خامنئ: لم أر مثلك في العناد.
من ضمن أساليب المحققين التي مورست عليه، إذا دخل على المحقق، يكون المحقق يكتب، كأنه يقول له لا اكترث لك، أو يسأله عن اسمه، كأنه لا يعرفه، حتى يوصل له فكرة له أنت مجرد سجين نكرة.
حمل مرة بالطائرة عن طريق السافاك، كان معه دفتر يدون فيه أبيات الشعر، سماه: سفينة الغزل، كان العسكريان يختلسان النظر لما يكتبه، لما اقترب من الوصول، كتبك كنت في صحبة مأمورين، يتمتعان بالأخلاق الحسنة.
سجن مرة، كان العريف يتحدث التركية، فسأله خامني مرة: لو طلب منك السافاك قتلي، هل تقتلني؟ قال: وجدك أقتلك!
أي يقسم بالنبي عليه الصلاة و السلام أنه سيقلته، إذا طلب منه السافاك بذلك!
كان من سجانيه شخص يدعى بابائي، لما انتصرت الثورة، تحول السجان إلى سجين، زاره خامني في السجن، حتى يتجنب بابائي الحديث معه، صلى صلاة كاذبة!
أعدم بابائي فيما بعد.
البكاء على جمال عبدالناصر:
خامني كان معجبا بسيد، بكى لما بلغه خبر وفاته، لكنه أيضا بكى على من أمر إعدامه، جمال عبدالناصر، يبرر خامنني ذلك، بأن لعبدالناصر مواقف جريئة ضد الدول الاستعمارية.
وهذه الإشكاليات العميقة في تيار الممانعة الذي تتزعمه إيران، أن كل من يقف ضد الغرب، فهم معه في خندق واحد،، لذلك وقعوا في مآزق أخلاقية، مثل تمجيد بوتين و عبدالناصر و القذافي.
تعليق أخير:
عززت قراءة السيرة، تصور أن المظلوم لا يعني دائما أنه خير، خامنئي وقع عليه ظلم بلا شك من الشاه، لكن لما تولى الحكم، كان أسوء منه، فقد انحصر ظلم الشاه على شعب إيران، أما هو، فقط شمل معهم أربعة شعوب عربية.