الاثنين، 29 أبريل 2024

كيف قلص العلم من تنوعنا الثقافي؟


 

 

عندما زار الصحفي الشهير مصطفي أمين أمريكا في الثلاثينيات، كتب عن رحلته كتابه " أمريكا الضاحكة"وصف بها انطباعاته عن المجتمع الأمريكي، وهو كتاب ظريف جدا، يصنف من ضمن أدب الرحلات، لفت انتباه أمين هناك جمال الفتيات الأمريكيات، لكن لاحظ تشابها بينهن، رشيقات، يلبسن الجينز، وقارنهن بالفتيات المصريات، اللاتي تتفاوت درجات الجمال، لكنه جمال منوع! جمال عفوي، لم تعبث به معايير مخرجي هوليوود. 

 

للأسف، لم تقتصر هذه ظاهرة التنميط على موضوع الجمال الجسدي فقط، بل شمل معظم جوانب حياتنا، الجامعات، مثلا، أصبحت تخصصها متشابه، مناهجها الدراسية متطابقة، المطارات أيضا تشعر أنك أمام نسخ مكررة، المتاحف، لم تعد قادرا أن تفرق بين طريقة إدارة المتاحف التاريخية أو الفنية، تجد في نهاية المتحف، محلا صغير، يبيع محتويات متعلقة بالمتحف بمبلغ ضخم، لست ضد فكرة المتجر، لكن ألا توجد طريقة أخرى لزيادة الدخل، غير هذه الطريقة؟

 

بعث لي فكرة المقال، تفكيري الحالي في تصميم حاليا بيتي، أنا محب للتراتنا العمراني، لكن عندما بحثت عن أحسن أنواع التصاميم، اهتديت إلى التصميم العصري، الذي يشبه فتيات أمريكا كما شاهدهن مصطفي أمين، تصميم: رشيف، شفاف، عملي، مبهر، لكنه في نفس الوقت، يتشابه مع نفس البيوت العصرية في هولندا، كندا.

 

لماذا نعاني من غلبة النمطية في حياتنا؟  لماذا لم يعد الواحد يفرق بين حضور مؤتمر تقني، أو معرض سياحي؟ لعل الجواب ما ذكره الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه : : الهمجية: و قد أحسن المترجم  جلال بدلة عندما وضع عنوانا جانبيا " زمن علم بلا ثقافة" ، وهي الفكرة الجوهرية في الكتاب، فلم تكن موجودة في الأصل. 

 

يقصد بالثقافة هنا، المعنى الأنثروبولوجي، وهي طريقة نمط الحياة، يجادل هنري في كتابه، أن البشرية في تاريخها، كان يوجد لدى أفرادها تنوع ثقافي، في الزي، الأكل، التعبير عن الفرح، يتغذى التنوع  على الميول الشخصية، الأعراف الاجتماعية، فيكون لكل واحد بصمته الثقافية، تتضح في تصميم بيته، تناول غدائه، لباسه، وسائل ترفيهه.

 

لكن بعد صعود العلم في فضائنا العام، تقلص دور التنوع الفردي شيئا فشيئا

فالعلم تجاوز الفضاء المخصص له، إلى فضاءات أخرى كانت الفنون، الأديان، والذوق الخاص تهمين عليها.

 

ترجع الصعوبة هذه المعضلة، إلى تغلغل العلم في جوانب حياتنا، فهو ليس مجرد فكرة، ممكن أن تستغني عنها، أقول دع العلم في شأنه، و الفن في شأنه، فالعلم روح العصر.

 

 لو رجعنا لمثال تصميم بيتي، لو أردت أن أصممه وفق ذوقي، بالنمط التراثي النجدي، سوف أصطدم بكون السوق لديه مواصفات محددة، للبلاط، النوافذ، الأبواب، لو أردت تصميم بيت خارجا عن هذه المواصفات، سوف يكلفني هذا الكثير.

 

 سهل العلم من تأدية مهامنا، لأنه منطقي، يمكن التنبؤ بنتائجه، بخلاف الفنون والآداب والتي تعتمد علي الذوق الشخصي، يصعب التنبؤ هل ستلقى رضانا أو لا.

 

أيضا  يسهل نقل العلم من مكان إلى آخر، فالعلم لا جنس له، و قد مثل له نجيب محفوظ في رواية أولاد حارتنا، بصبي لا يُعرف له أب أو أم،  بخلاف الفنون والآداب، التي إذا نقلت من سياقها الاجتماعي، تفقد رونقها،

 

أخمن أن كثرة الحديث في وقتنا عن أهمية الإبداع والتفكير خارج الصندوق، لا ترجع إلى أننا أكثر إبداعيا من الأجيال السابقة، بل على العكس، بناء على فكرة أن كثرة الحديث عن شيء، يعكس غيابه عن حياتنا.

 

التنوع الثقافي كان سلوكا يوميا لدى الأجيال السابقة، كان كل فرد، يجمل الأدوات التي يستخدمها بنفسه، يكيف حياته حسبما يريد، لكن العلم، خنق هذا التنوع، كلما فكرت بطريقة مختلفة لتأدية عمل ما، يأتي الاعتراض، لكنها تكلف طاقة أكثر، تستهلك صيانة أعلى،  تحتاج لتدريب على استعمالها أطول.

 

يمكن ملاحظة هذه في البرامج والتطبيقات التي تستخدم في بيئات العمل، هي بلا شك، سرعت من وتيرة العمل، زادت من الإنتاجية، سهلت المراقبة والتقييم! لكنها جعلتنا نفكر بطريقة مشابهة، الأفكار التي تخرج من العصف الذهني لمجموعة تفكر في تنظيم معرض الكتاب، تشابه الأفكار التي تخرج من العصف الذهني لمجموعة تفكر التسويق لمؤتمر علمي.

 

 

 

 

 

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...