الاثنين، 1 يوليو 2024

ماذا بعد القراءة؟


 

 

في لقاء طارق خواجي مع أبي مالح، ذكر أنه لا يوجد أي مفخرة كونك تعرف نفسك بأنك قارئ، لأن القراءة في حد ذاتها ليست مقصودة لذاتها.

 

تذكرت هذا الحوار، لما رجعت إلى مفضلة حسابي في إكس، فبعد أن أخفى إيلون ماسك الإعجابات، وجدت فيها الكثير من التفضيلات لتغريدات عنصرية! لكن لم يكن هذا مقصودي، رجعت إليها لأنقل عناوين الكتب التي عملت لها تفضيلات، إلى ملف خاص بالكتب، وجدت الكثير من الكتب! لو أنهيت كل أسبوع كتابا، سوف أحتاج إلى ١٠ أشهر حتى أفرغ منها.

 

 

أين المخرجات؟

 

مرت علي حسابات لأشخاص، يذهبون كل سنة، لعدة معارض كتب، يخرجون منها، بأكياس من الكتب، آخرون يضعون صورا لكتاب مختلف كل يومين! لا أتحدث هنا، عمن يدعي أنه قرأ كتابا، ولم يقرؤه، هؤلاء لا أصافحهم، أتحدث هنا، عن من يقرأ  هذا الكم الهائل من الكتب، لماذا لا يوجد مخرجات مقابلة؟ النهم العالي في قراءة الكتب، لا بد أن ينتجه عنه، كتب أو على الأقل مقالات مطولة، و ليس مجرد : "هذه أعظم رواية قرأتها حتى هذه السنة".

 

بالتأكيد، أعلم أن قدرات الناس ليست واحدة، بعضهم لديه قدرات محدودة في الفهم و التعبير عن الأفكار، أصنف نفسي واحدا منهم، لكن تحدث هنا، عن شخص قرأ ٢٠٠ رواية، ثم لا يستطيع أن يقدم فكرة بقالب قصصي مشوق، لا أريد منه أن يكتب رواية، على الأقل، أن يستفيد من الأساليب القصصية التي مرت عليه.

 

 

في هذه الخاطرة، سوف أتحدث عن فكرة إذا لم ينتج عن كثرة قراءات، مخرجات معرفية، فلديك خلل في القراءة.

 

 

الفخ الرقمي:

 

يوجد في فضاء إكس، الكثير من الحسابات المعتنية بالكتب، حساب يضع صور مشترياته من معرض الكتاب، آخر يضع صورة لكتاب مع كوب قهوة، لا أدري ما المشكلة مع كوب الشاي،  ثالث يصور مقطعا من رواية، رابع يذكر معلومة في كتاب قرأه، و هذا سلوك متفهم ومنطقي، فإكس ليس مجرد تطبيق، إنما عالم آخر، نمارسه فيها جزء من سلوكنا الاجتماعي.

 

 كما أنك إذا جلست مع صديق ، في مقهى و سألك وش من جديد؟ فترد عليه بأنك قرأت كتاب رياض الريس، ووجدت فيها معلومة لطيفة،  أن أصل تسمية زنجبار، فارسي، لأن الزنج باللغة  الفارسية السواد، ثم يتفرع من هذه المعلومة نقاش بينك وبين صديق.

 

 لن  يعيد صديقك المعلومة التي ذكرتها، عكس الفضاء الرقمي، وهذا هو  الفخ الرقمي.

  حتى يحصل محتواك على تفاعل كبير، لا بد أن يكون جذابا، لا يكفي أن تصور كتابين من معرض الكتاب، لابد أن تحتوى الصورة ٢٠ كتابا أو أكثر، لا يكفي أن تصور رواية، لابد أن تعلق : " بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لن تكون نفس الشخص!"

 

 

 

الامتلاء الكاذب:

كنت في جلسة مع أصدقاء، جرى الحديث عن كتاب: الدولة المستحيلة، لوائل حلاق، تناقشنا حوله، لم يكن واحد منا قد قرأ الكتاب! مداخلاتنا في الحوار، مجرد انطباعات تلقيناهم من نقاشات إكس عن الكتاب، ولقاءاته التلفزيونية، هذا من عيوب الأوساط الرقمية الثقافية.

فهي من جهة تحمسك لمواضيع ثقافية، لكنها في نفس الوقت، تضعف رغبتك في قراءة الكتب، لأنها تشعرك بالامتلاء المعرفي الكاذب.

 

أنا شخصيا، لا أعتبر مخلصات الكتب، أو حلقات البودكاست عن الكتب، مغنية عن قراءة الكتاب، بل هي تصلح مدخلا لفهم فكرة الكتاب، لكن حتى تفهم الفكرة ، لابد أن تطلع على كيفية بنى الكاتب أفكاره، المنهجية التي سار عليها في التوصل لاستنتاجاته، ليس المهم فكرة الكاتب، المهم كيف توصل إليها، هذا ما يعطي الفكرة ثقلها المعرفي.

وائل حلاق مثلا في الدولة المستحيلة، تحدث بإسهاب عن كون الحكم الإسلامي التقليدي حكم أخلاقي، يراعي تنمية الجانب الأخلاقي، بينما الدولة الحديث المعاصرة، ليس من اختصاصاتها تنمية الجانب الأخلاقي، ثم كيف توصل بعد ذلك، إلى بقية أفكاره. 

من العبث النقاش حول فكرته النهائية، دون الوقوف عن المقدمات.

 

 

القراءة المسيسة:
مهنا المهنا، ناشط كويتي في المجال الثقافي، يتحدث كثيرا عن الكتب، يصور حلقات مرئية وخلفه مكتبة، مع ذلك لم يستفد مطلقا من قراءاته، لأن لديه أفكارا محددة: الماسونية تحكم العالم وخلفها اليهود، الدولة العثمانية دولة عظيمة، الوهابيون و أتباع ابن تميمة متوحشون، فهو يبحث في الكتب عن ما يدعم أفكاره، و يتجاهل ما يضادها.

 

المهنا مجرد مثال لأناس، تمضي سنوات وهم بين الكتب، مع ذلك لم تتغير قناعاتهم، أناس أمضوا ٤٠ سنة في المجال الثقافي، لم يتراجعوا عن أي فكرة، هل هذا معقول؟  هل لديهم وحي إلهى يرشدهم.

 

إذا كان مقصودك في القراءة مجرد تدعيم قناعات مسبقة، فستكون شخصا مزعجا، فلن تكون الجاهل، الذي من الممكن أن يرد عليه، بذكر معلومة مضادة ، وليس لديك مرونة فكرية، لتقبل تصورات مخالفة.

 

تقييد الأفكار: 
شكوت لمعلمي في المرحلة الثانوية، بأني أنسي ما قرأت، بعدما أنتهي من الكتاب، فقال لي أسوء نصيحة سمعتها في حياتي: قراءة الكتاب، تحسن من فهمنا ووعينا، لا يهم إذا نسيت ما قرأت! في الواقع إذا لم تدون أفكار ومعلومات الكتاب و تتأملها وتفكر بها، فلن يتحسن مستوى وعيك، و ستكون قراءة الكتاب، مثل قراءة جريدة، تأثيرها محدود جدا.

 

شاهدت قبل فترة مقطعا لمؤثر في منصة إكس، يكرر نفس النصيحة السيئة، أقول سيئة، لأن هذا المؤثر له بها ثمان سنوات، بلا مبالغة، يتحدث كل يوم عن كتاب، مع ذلك لم يكتب أي مقالة فضلا عن كتاب، كل تعليقاته عن الكتب: هذا كتاب مميز في علم النفس الوجودي، هذه رواية إيطالية رهيبة، هذا فكتاب فكري يصدع بالراس!

 

الشخص الذي لا يدون أفكار الكتاب، مثل شخص يذهب إلي محاضرة جامعية، من دون أن يقيد شيئا، مجرد ضياع للوقت والجهد.

 

 

 

 

الكتاب المناسب :
نصحني صديق بقراء رواية موبي ديك، بدأت بها ثم توقفت، بعد مدة،  قرأت لمثقف عربي، أنه قرأ هذه الرواية مرغما، لأنها مشهورة في الوسط الثقافي!

أحد أسباب ضعف الانتفاع من قراءة كتاب، قلة الاستمتاع به، مهما تكن الدوافع، لا تضيع وقتك وجهدك في قراءة ما لا تستمتع به. الكتب أنواع وأشكال، يوجد العشرات من الكتب عن تاريخ الدولة الرومانية، عشرات الكتب عن النحو، عشرات الكتب عن فن الطبخ! لا ترغم نفسك على قراءة كتاب محدد، إذا كنت مهتما بموضوعه، سوف تجد بدائل أفضل منه.

 

حرية النقد:

أخمن بعد نشر المقال، سوف أجد تعليقات من نحو "  وش دخلك، خل الناس تقرأ كما تشاؤون، خل الناس تصور كما يشاؤون!"

 

 بالتأكيد هم أحرار، لم أمنعهم من ذلك! أنا هنا فقط أعبر عن رأيي!

 

 

 

 

 

 

 

   

 

 

أ

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...