حضرت جلسة جمعت مجموعة من المهتمين بالمشهد الثقافي، و كعادة جلساتنا كانت مجرد حش الثقافي، من "الحشات" التي أعجبتني أن الفائزة الأخير بجائزة نوبل للآداب، الروائية هان كانج، لا تستحق الجائزة، بينما كانت "حشتي" أن الاقبال الكبير على كتاب في معرض الكتاب، لا يدل على جودة الكتاب.
رد على أحدهم و قال: إذا كان بيع أعداد كبيرة من كتاب، لا يعتبر نجاحا له، هل يعني أن قلة المبيعات تعتبر نجاحا؟!! ثم سمى ما وقعت فيه، " مغالطة عنز لو طار" وضحك الموجودون باستثنائي طبعا! و هذه الخاطرة، رد علمي على الاتهام الباطل.
خلال كتابة الخاطرة، رجعت إلى لقاء وائل حلاق مع بودكاست فنجان، الذي ذكر فيه في بداية الحلقة، أن بعض حلقات فنجان نجحت وحققت مشاهدات عالية، قلت حتى أنت يا حلاق! أيها الأكاديمي في جامعة كولمبيا، يا من يقوم مشروعه الفكري على محاربة الحداثة، تستعين بالأرقام وهي أداة حداثية لتقييم منتج ثقافي؟!
الفخ الذي وقع فيه حلاق، ليس خاصًا به، فأنا مثلًا، لما رجعت للحلقة للتأكد من دقة النقل، لفت نظري عدد المشاهدات، بالمناسبة قد وصل عددها إلى مليون ونصف مشاهدة، وأكثر من ٣٤ ألف اعجاب، هل شعرتَ لما قرأتَ هذه الأرقام، أن الحلقة تستحق أن تُشاهد؟ لستَ وحدك، فنحن نعيش في عصر، قائمٍ على الإحصاء، ورقمنة الممارسات، والاستعانة بمؤشرات الأداء، لقياس النجاح.
بالتأكيد أن رقمنة الأداء، سهلت من تقييم الممارسات، فعندما يزيد عدد السيارات في بلد، وتقل الحوادث، فهذا مؤشر على تحسن السلامة المرورية في البلد، لكن استعمالها في المجال الثقافي يشوهه.
فإذا أردتُ مقارنة بين مطعم برجر بآخر، سوف أقارن عدد العاملين مقارنة بعدد الوجبات مثلا، أو درجة تقييم المطعم لدى العملاء، لكن من الخطأ أن أقارن كتابا بآخر، بناء على عدد المبيعات، لأنه يمكن أن أشتري كتابا ولا أقرؤه، لكن لن اشتري برجر ولن آكلها، باستثناء إذا وضع فيها الطباخ فيها مخللا! ومن الخطأ مقارنة ندوة فكرية بأخرى بناء على عدد الحضور، لأنه يمكن أن أحضر ندوة واتصفح جوالي، أو أتحدث مع من يجلس بجاني.
فالعمل الثقافي نوعي وليس كمي، مثله مثل السعادة، والوعي لا يمكن أن ترقمن وتُقيم إحصائيا.
المحزن عندما تنبه لخطأ اعتماد العدد (الأعلى مبيعًا، الأكثر مشاهدة) وسيلة لقياس الجودة في العمل الثقافي، تتهم بأنك نخبوي، متعالٍ على الناس.
ومن المؤسف أن رقمنة المجال الثقافي تحولت إلى ممارسة مؤسساتية، في كتابه" نظام التفاهة" يوضح لنا آلان دونو، أن المؤسسات الثقافية، وضعت تقييمات سخيفة لتقيم الأداء، لا يمتثل لها الموظف الممتاز، لأنه وعيه أعلى منها، ولا يمتثل لها الموظف السيئ، لأنه مهمل، فقط الموظف العادي، المقصود بالتافه هنا أي الموظف ذي الكفاءة المتوسطة الذي يترقى من خلال معايير شكلية.
فعندما يُقام مؤتمر علمي، بدلًا من أن يقيم نجاح المؤتمر بجودة ما طرح فيه من بحوث، يقيم من خلال: درجة التنوع العرقي/ الديني / الجندري لدى المشاركين، وعددهم، جودة المكان، الفعالية المصاحبة لها مثل عشاء، و حفلات موسيقية، وغيرها من التقييمات الشكلية، التي يسهل عملها، وتعتمد على مجرد الإحصاء.
ينبهنا آلان دونو إلى أن الموظف العادي الذي يترقى بسرعة في منظومة إدارية، قطعًا ليس موظفًا كسولًا، لكنه يفتقر للعمق، ويتماهى مع المعايير الشكلية.
فلو أصبح مديرًا لمعرض فني، بدلًا من أن يركز جهده على رفع جودة اللوحات الفنية، وهذا عمله الرئيسي، يوجه جهده لجوانب أخرى، كأن يزيد مداخيل المعرض من خلال بيع كتب باهظة الثمن، تكون ملحقة بالمعرض، وقعتُ في هذا الفخ كثيرًا ،و يجعل تصميم المعرض، ملائمًا لالتقاط صور من الداخل و مشاركتها على وسائل التواصل، حتى يحصل المعرض على تفاعل رقمي، ويجتهد في جلب أفضل المقاهي دخل المعرض، حتى يتحسن مزاج الزائر بعد شوب كوب القهوة ويقيم المعرض تقييمًا إيجابيًا، فتحقيق " إنجازات " من خلال هذه المعايير، يتطلب جهدًا وعملًا، قد يكون أكبر من الجهد المبذول رفع جودة البحوث المشاركة، لكن الأخير تتطلب عمقًا معرفيًا، بينما الأولى لا تتطلب سوى العمل الشاق الروتيني.
خطورة نظام التفاهة، كما حذرنا آلان دونو، أن الموظفين العاديين، يدعمون انتشار المعايير الشكلية، التي تعتمد على الأرقام والإحصاء، حتى خارج منظوماتهم الثقافية، ليسهل عليهم التنقل بين الجهات العلمية والثقافية، ومن هنا جاءت تسميته بنظام التفاهة، ولعل أبرز تشوهات هذا النظام التافه، أن معظم الفعالية الثقافية غدت متشابه جدا، لأن المعايير الشكلية واحدة!
ملاحظة:
كتاب نظام التفاهة، ليس له علاقة بارتفاع نفوذ مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، لكن مترجمة الكتاب د.مشاعل الهاجري ذكرت في تقديمها للكتاب، وهي مقدمة طويلة، و من الأفضل تجاوزها! " فقد نجحت هذه المواقع (الفيس بوك، توتير، انستجرام) في ترميز التافهين، أي تحويلهم إلى رموز".
أخمن أن أحدهم صور هذا المقطع من دون أن يكمل قراءة الكتاب! وشارك الصورة، على أن فكرة الكتاب هي هيمنة مشاهير مواقع التواصل على الشأن العام، ثم تناقلتها حسابات كثيرة، ولأن الكثير للأسف، ليس لديهم مانع من مشاركة فكرة كتاب من دون قراءته! فقد انتشر التصور الخاطئ عن الكتاب.
وهذه مفارقة ، فالكتاب الذي حذرنا من استعمال معايير شكلية، انتشر اسمه بيننا من خلال معايير شكلية!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق