ولدت في عائلة نجدية تقيم في الدمام، وكبقية أفراد العوائل في العالم لدينا أسماء مثل: صالح، علي، إبراهيم، سليمان، وكأي أفراد عائلة نجدية لدينا لقب أو أكثر، وهي تسمية ملطفة من " معيارة"، لكن تمتاز عائلتنا بأن جدي هو من له الحق الحصري في توزيع الألقاب" المعايير".
هذه بعض الألقاب:" أبو جبهة" لأن جبهته كبيرة، الطعس لأنه يتصرف كقروي، الملحوس، لأنه يرتبك كثيرا، البنقالي، لأن لون بشرته يميل للسمرة، تميل بشرة أغلب أفراد عائلتنا للبياض، الجني إنسان غير اجتماعي، الثور لأنه عنيف، المفهي، يسرح كثيرا، دود الساس، لأنه يمكر.
منذ أن كنت طفلا، تصور جدي أنني عنيد، لذلك أطلق علي ثلاثة ألقاب، ، كل واحد منها يعبر عن مستوى معين من العناد: "النفسية - العبيط- العوج".
للتميز بينها، لنفترض أنه اجتمعت العائلة في صباح يوم السبت، وقرروا تقديم فول وخبز لإفطار للجميع، وأنا متلزم بحمية الكيتو.
إذا امتنعت عن الأكل، وجلست وحيدا، سيقول عني جدي: نفسية!
إذا أكلت الفول بالمعلقة بلا خبز، سيقول عني عبيط!
إذا خرجت من الجلسة، وأحضرت لي فطورا صحيا، وأكلته مستقلا وهم يأكلون الفول، سيقول عني: عوج!
ولو كان يحسن الإنجليزية، لقال عني بلاك شيب.
من بين هذه الألقاب الثلاثة، لصق لي لقب العبيط أكثر من غيره.
ألقاب جدي كان لها تأثير مختلف على حياتنا، فمثلا وليد ابن عمي الذي سماه أبو جبهة، أصيب بالصلع مبكرا، مع أن الصلع نادر في عائلتنا، فكانت تتمدد جبته بسرعة، المسكين لم يصل الأربعين من العمر حتى تحول رأسه إلى كرة بيسبول!
أما البنغالي صالح، فقد حرص كثيرا على الاهتمام بمظهره، وهو أحسنا ذوقا في اختيار الزى، أما أنا فقد منحني لقب العبيط" عذرا دائما، من أي تصرفات غبية، نسيت مرة أن أخلع نظارتي الشمسية داخل مبني، و لما سألوني : هل نسيت؟، أجبت: لا، مجرد عباطة!
في استراحة اجتماع أحد الأعياد، تحداني مرة أقاربي أن أعد قهوة لهم، كنت حينها في المرحلة المتوسطة، أحاول أن أثبت لهم رجولتي، بإعداد القهوة، دخلت المطبخ مساء و كان ضوءه خافتا، بحثت عن كيس البن، وجدته ثم طحنت الحب، بعدها بحثت عن كيس الهيل، ووجدته بجانب البن، ثم طحنته ثم أعددت القهوة.
لما قدمتها لهم، كان مذاقها غريبا، سألوني : ماذا فعلت؟ أجبتهم بما حدث.
لكن دخل عمي للمطبخ واكتشف أني طحنت " حب الفصفص" بدلا من الهيل!
كانت فضيحة! لكنها اعتبروها تصرفا عن قصد مني، لأني عبيط!
منحي اللقب العبيط مساحة كبيرة، للتعبير عن ذاتي، واختيار التصرف المناسب لي، من دون خوف نقد أو تقريع، مثلا لما كنت في المرحلة المتوسطة، بدلا من حفظ بعض أجزاء القرآن، كما يفعل أبناء عمي، توجهت لحفظ الحديث النبوي! وبدأت في حفظ موطأ الإمام مالك! وصرت إذا أثيرت مسألة فقهية في اجتماع العائلة، وهم حنابلة مقلدون، أحكي أقوال فقهاء المالكية: " يقول السادة المالكية.." وتقمصت دور فقيه مالكي، مع أني لم أحفظ سوى بعض أحاديث من الموطأ.
كلما تأملت حياة من حولي، ممن يعيش تحت قيود اجتماعية، تطمس شخصياتهم، و يعيشون حياة زائفة، شكلتها أمزجة من حولهم، أشكر جدي على منحني هذا اللقب، إذ من خلاله تصالحت مع رغباتي الغريبة في نظر من حولي.
أول موقف في حياتي مهم، اتخذته بناء على لقبي العبيط، هو دخول كلية الطب، وهو قرار كان مفاجئا لأقاربي، لأنهم بلا استثناء يعملون في شركة نفطية و كلهم بلا استثناء درسوا في جامعة البترول، و كلهم بلا استثناء درسوا في تخصصات هندسية، فقد كان جدي كثيرا ما يكرر، إذا لم انضممت لجامعة البترول ولم تدرس هندسة، فأنت كمن يعتمر و لا يأكل من مطعم البيك!
لم يكن قراراً سهلا، فقد كان فيه تحد لرغبة جدي/ النصف إلهه، الذي يتحكم بأفراد عائلتنا و الذي أظنه يتصور، أنك إذا مت و جاءك منكر ونكير، بدلا من يسألونك، من ربك؟من نبيك؟ مادينك؟ سوف يسألونك: ما شركتك؟ ما قسمك؟ كم درجة الوظيفية؟
أما موقف أبناء عمي، فقد لخصه تساؤل أحدهم:
=" وشلون تبي تتزوج البنت التي تعجبك وأنت مش مهندس في أرامكو؟"
+
عملت طبيبا في مستشفى حكومي بقسم الطوارئ، يتعامل بعض زملائي مع الحالات حسب الخطورة، بينما يتعامل آخرون حسب الترتيب الزمني، الأول فالأول، أما أنا فقد كنت أتعامل معهم حسب التفضيل الشخصي، أقدم علاج الحالة التي أريد فقط حسب مزاجي، في نهاية كل شفت، كنت افتح حساب المستشفى و أقرأ تعليقات المرضى، من قدمتهم على غيرهم، أعطوني تقييم خمس نجمات، من أخرتهم، أعطوني تقييم نجمة مع الكثير من السب، لكن لم يؤثر هذا أبدا على مساري الوظيفي، فقد كنت أتناول القهوة بالمفهوم القديم وليس الحديث مع مديري، المسؤول عن تقييمي الوظيفي كل أسبوع في البحرين، و كان يضحك حتى تبدو نواجذه ما تقول كتب التراث، من تعليقات المرضى على مزاجيتي في التعامل مع الحالات.
ومضت حياتي هكذا، أعمل في قسم الطوارئ، تحصل لي مواقف ظريفة بسبب عباطتي، أحكيها لأبناء عمي، الذين يفتقدون في شركتهم أي مجال للممارسة المزاجية، حتى دخل قسم الطوارئ، في إحدى الليالي، رجل مع ابنه، اشتكي ابنه من كسر في ذراعه، لم يعجبني شكله، لذلك جعلت ترتيبه الخامس، مع أنه زمنيا الثالث.
غضب الأب، وبدلا من أن يتحدث بالعربية تحدث بالانجليزية، بلكنة جنوبية، ظانا أنني سوف أخاف منه، و أجعل ترتيبه الأول، لكن رددت عليه بالانجليزية، وليس أي انجليزية، بل بلكنة كندية صرفة، لا يتقنها إلا من قضى الساعات الطوال في حانات كندا يشرب القهوة، تفاجأ من ردي، ثم أخرج من جيبه، جواز ابنه، ملوحا أنه يستحق التقديم على غيره.
و قلت له:
" سم طال عمرك، ما كنت أدري أنه مع الجواز الأمريكي، أبشر أقدم علي غيره، بس لازم تستأذن من اللي قبله كذا السيستم"
و فعلا سأل الموجدين واحدا واحدا، هل يمانعون بتقديمه، أجابوا بلا، بعد أن فرض منهم، جاء إلى، فقلت : لا بد أن تذهب لقسم لقسم الانتظار النساء، يوجد سيدات هناك، و فعلا ذهب إليهن وطلب أن يقدمهن عليهن، ووافقن.
لما رجع قلت له :
" و الله لو تحب رجلي، منيب معالجن ولدك، وخل جوازك ينفعك!"
غضب الأب وكاد أن يعتدي على، لولا أن الموجودين منعوه، ثم أخرجه رجال الأمن من المستشفي.
لم تكن أبدا حادثة اعتيادية في تاريخ المستشفى، تحدث الجميع عنها، شعرت بالفخر لأني كنت عبيطا، جاءت إلي ممرضة و صارحتني بأنها لم يكن يعجبها مزاجيتي في التعامل مع الحالات، لكن ما صنعته الليلة مع الرجل يستحق ذلك، فقالت: "أخيرا، هذه العباطة جابت نتيجة!"
وعلق أحد أبناء عمي، وهو شخص يحب أن يفلسف مع أي موقف: " نستفيد من هذا الموقف، قد يكون من الحكمة، ترك الحكمة" أما مديري الذي كان يدافع عني أمام نقد المراجعين لي، فقال لي: : الليلة بيضت وجهي"
لم أنم تلك الليلة، تأملت في هذا اللقب الذي ظني جدي به أن سوف يحطم ثقتي بنفسي، كان مفعوله العكس تماما، فلم أخجل من أي تصرف يبدر مني، حتى لو كان ظاهره غبيا وخاطئ.
لكن فخري بهذا الموقف لم يدم طويلا، فقد استدعاني مدير المستشفى، و أراني تصويرا للمقطع الذي حدث بيني وبين المراجع، و أخبرني أنه وصل للمسؤولين في الوزارة، والأفضل أن أقدم استقالتي بدلا من إجراء تحقيق قد ينتهي بفصلي.
حاولت أن أثنينه عن رأيه، لكنه كان متصلبا، خرجت من مكتبه خائر القوى، لا أبصر شيئا ، جلست عند أقرب كرسي، و أنا أسمع كلمات بصوت جدي:
"عبيط، استقالة، تحقيق، عبيط، مزاجية، عدم احترافية، عبيط، عبيط، فهلوة، خداع، عبيط، استغفال، عبيط.."
خرجت من المستشفى، توجهت إلى بيت جدي، دخلت عليه، قبلت رأسه و قلت:
" تكفى قل لواحد من أحد أعمامي يتوسط لي في مستشتفى أرامكو"
تمت
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق