الأحد، 30 يناير 2022

الهوية واللغة

  أتلعثمُ عندما يقول لي أحدهم في بداية لقاء، عرفني بنفسك! لا أدري ماذا أقول، هل أبدأ التعريف بذكر قبيلتي التي تسوطن منطقة في عالية نجد منذ الجاهلية؟ أم المدينة التي ولدتُ بها، أم دراستي الجامعية أو عملي؟ بعد محاولات عدة، اخترتُ أن أعرفي نفسي باهتماماتي الثقافية، قارئ للتاريخ مهتم بالفكر.

فهي هوية فضلا على أني اخترتها بوعي، لا تثير حساسية مثل بقية الهويات.

 

اللغة كمكون أساسي للهوية:

في الجامعة حيث العشرات من الهويات تتفاعل مع بعض، عُرفتُ بين زملائي بالقصيمي! بناء على اللهجة.

إذا وجه لي حديث بصيغة أنتم، ينصرف ذهني تلقائياً نحو القصمان ما لم يقتض السياق خلاف ذلك.

لاحظتُ أنني أتوافق نفسياً وذهنياً إلى حد بعيد مع الأشخاص الذين يتحدثون نفس لهجتي أو قريباً منها.

اللغة من وجهة نظري أهم مكون للهوية، بل لا يمكن فهم هوية من أمامك من دون فهم المضمر الثقافي في حديثه.

في سنوات الجامعة كنت من خلال الاستماع للهجة طالب أمامي وتحليل المفردات والتراكيب اللغوية، أستطيع تخمين المنطقة الجغرافية التي ينحدر منها أبواه، مذهبه الديني، طبقته الاجتماعية بل حتى مستوى انفتاحه العقلي.

إذا تجاوزت حدود لهجتي الضيقة، وجدت أن العرب بغض النظر عن انتمائهم الديني أو ولائهم السياسي، هي المكون البشري الذي انسجم معه ذوقياً ومعرفياً وأشعر أن العروبة فعلاً تمثل هويتي.

 

اكتساب لغة ثانية يعني أن تغيراً سوف يطرأ على هويتنا، يشمل التغيير معايير الصواب والخطأ، نوعية الرموز الثقافية التي نمجدها، العدسات التي نرى بها الواقع.

فاللغة ليس وسيلة تواصلية فقط، إنماء إطار نفهم به من حولنا وهي أهم منهل من مناهل الهوية.

 

الهوية ليست قوالب جاهزة:

تزوجتُ من فتاة قصيمية مؤملاً أن أشكل أبنائي بالثقافة القصيمية، لكن سارت الأمورُ على خلاف ما أريد، فابنتي لا يطربها إلا الأغاني الإنجليزية، مهما حاولتُ التحدث معها بلهجتي القصيمية لا تتجاوب معي.

هل سوف أقصرها على هوية معينة؟ بالتأكيد لا، هوية الإنسان تتشكل من خلال تفاعله مع من حوله وهي في تغير دائم.

الهوية هي تعبير الذات أمام الآخرين، تفاعل الذات مع الواقع، وتعبر عن التشابك مع تحديات الحاضر أكثر من العيش في ظلال الماضي لذلك تشكلت هويتي بصورة مختلفة عن أبواي، كما قال مطرف بن عبدا الله بن الشخير:” الناسُ بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم”.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...