أنا إنسان عادي جدا، أو كما يُعبر عنه في كتب الإدارة وتطوير الذات، بإنسان بلا طموح، بلا خطط استراتيجية، بلا أهداف.
أريد أن أعيش حياة روتينية، حياة لا تحديات فيها، حياة رتيبة، أعشق منطقة الراحة، لا أريد تحقيق إنجازات، لا أرغب بترك أثر، أمنيتي أن أكون في الهامش، إنسان نكرة، هل هذا صعب؟ تركت لهم كل شيء، مع ذلك لم يتركوني في حالي..
البداية مع أمي، فعلى عكس إخوتي، الذين لهم متطلبات دقيقة كثيرة في اللبس والأكل، وبقية جوانب الحياة، أقبل كل تقدمه لي أمي، بلا نقاش، مثلا يختار أحد إخوتي، حقيبة مدرسية، لكن بعد فترة يمل منها، ويرغب في استبدالها، ماذا تفعل أمي؟ تستبدلها بحقيبتي، لأن الحقيبة، أيا كان شكلها، في نظري مجرد وسيلة لحمل الكتب.
إذا ذهبنا إلى مطعم، وتورطت أختي وطلبت طبقا لم يعجبها، وكثيرا ما تفعل، تعطيها أمي طبقي الذي يكون عادة طبقا تقليديا، وآخذ طبقها لماذا؟ لأنه إذا لم يعجبني الطبق، فلا بأس عندي، أعد لي شطيرة جبن إذا رجعت للبيت.
لذلك أحبتني أمي كثيرا، فقد جعلت حياتها أسهل، وفضلتني على بقية أخوتي، لا تصدق أن الجميع متساوون لدى الأم.
لكن تفضيل أمي العاطفي له ثمن، عندما رغبتُ بالزواج، فضلتُ إنسانة عادية، تشاركي حياة نمطية، إنسانة ترغب في إنجاب كائنات تقليدية، إنسانة لا يزعجها أن أترك سيارتي أشهرا بلا غسل، لكن أمي اختارت لي فتاة جميلة، ذكية، اجتماعية، مرحة، وأهم شيء طموحة جدا.
تعتقد زوجتي قبل اقتراني بها، بأنه لا ينقصها شيء! لذلك تريد أن تحصل على أفضل خيار ممكن، تلبس أجمل عقد، تذهب إلى أحسن مقهى في المدينة، تجلس على أحسن كنبة، لذلك لا يخلو يوم من أيام زواجنا الذي امتد لسنوات، من معارك، بين طموحها العالي في كل شيء وغياب طموحي تماما.
أما أبي، فحكايتي معه مختلفة جدا عن أمي، فقد كان يراني مشروعا نسائيا ناجحا، نعم، ففي رأيه أن أنجح الزواجات هي التي تكون فيها الزوجة بلا طموح، بلا متطلبات، كان يرى أن شخصيتي المتواضعة، تناسب أختي، المجنونة بالتميز! لكن نظرته نحوي تغيرت بعد إعجاب جدي بي.
جدي ثري جدا، ككل الأثرياء العصاميين، حريص على جمع المال، دقيق في إنفاقه، هذا إذا أنفقه! تملقه أبي وأعمامي، لكن لم يكن يتجاوب معهم.
يعيش في قصر، بينما يعيش أبي و أعمامي في بيوت عادية مؤجرة، وسياراتهم عادية، ومهما ألحوا عليه، بطلب المساعدة المالية، يرفض.
أنا الوحيد من ذريته الذي لم " يتميلح عنده"، لم أكن حريصا على طلب رضاه بأي صورة كانت، لا أتهافت على تقبيل يده، و لا أضحك بصوت عال على نكته سخيفة قالها.
جدي الشكاك، تركهم جميعهم و أقبل على، لم يكن هذا محبة خاصة بي، لكن حتى يرسل رسالة لأبي و أعمامي، فحواها لست ساذجا كما تظنون!
إمعانا في إغاظتهم، كان يناديني إذا دخلت المجلس" هلا بالسمي" فأنا أحمل اسمه، بالتأكيد الاسم هو الشيء الوحيد المشترك بيننا، لس هذا فحسب، بل اشترى لي سيارة لكزس موديل RX ،و أصبحت سيارتي أحسن من سيارتي أبي و أعمامي!
أثار تصرفه معي حسد أبناء أعمامي، في إحدى المرات خرجت من بيت جدي، لأجد إطارات السيارات مثقوبة! أنا الذي تجنبت منافستهم على جدي، حتى لا أدخل في صراع معهم، صارتُ هدفا لعداواتهم.
في المدرسة، انسجاما مع فلسفتي في العادية، لم أكن متميزا دراسيا، كنت إذا بدأت في حل أسئلة ورقة الامتحان النهائي، أحسب كم درجة تكيفني للنجاح، ثم أتوقف عن الكتابة عندما أخمن أني أحرزت الدرجة الكافية، تقدير " جيد مناسب لي تماما، لكن في إحدى المرات، أخطأت في الحساب، ورسبت.
على الرغم أني لم أكن مجتهدا، لكنني كنت محبوبا عند الأستاذة بالمدرسة، لأنني هادئ، لا أعاندهم، ولا أسبب ازعاجا، فلا أجري بسرعة داخل أروقة المدرسة، أكرموني مرة وجعلوني الطالب المثالي، حتى أحفز الطلاب المشاكسين لأن يقللوا من شقاوتهم، لكني تلقيت بعدها ضربة من الطلاب المشاغبين، لأنهم ظنوا أن حصولي على لقب الطالب المثالي ولست مجتهدا دراسيا، بسبب أني وشيت بهم!
كما ترون، أهرب من " المشاكل" لكنها يأتي إلي!
لما توظفت، ركزت جهودي على إنجاز ما هو مطلوب و ضروري ومهم فقط، طموحي فقط، ألا يقل أو يزيد تقديري السنوي عن جيد.
كنا خمسة موظفين، أنا وثلاثة شبان وفتاة، كنت أصل آخرهم للعمل، أغادر أولهم، لا أفتح رسائل مديري في الواتساب بعد العمل، إلا في حالات خاصة جدا، حرصت أتكون علاقتي معه رسمية، فلم أكن أرسل له رسائل يوم الجمعة والأعياد.
زملائي كانوا مهوسين بالعمل، لا أقول إن العمل هو أولوية في حياتهم، بل هو حياتهم، فمثلا، لا يحسنون الحديث إلا العمل ومشاكل العمل، الترقي الوظيفي...
لكن تفاجأ الجميع، بمن فيهم أنا، بخبر تعيني مشرفا عليهم!
لماذا عينت مشرفا؟ لأني أعمل في شركة بيئتها الداخلية، تنافسية جدا، أو كما يعبر عنها في أدبيات الإدارة" سمية" لذلك رأى مديري، في شخصيتي الوادعة، البعيدة عن التصادم، تعيني مشرفا عليهم فرصة لتقليل التوتر داخل القسم!
أحد الزملاء، اعتبر هذا التعيين إشارة من الله، أن الحياة لا تنال بالجد والاجتهاد وإنما بتوفيق إلهي، لذلك تحسن تأديته للشعائر الدينية.
آخر لم يتقبل خبر التعيين بسلام، فقد أخذ مقاطعا لي في السناب شات، كنت أسخر بطريقة مهذبة من شركتي، وقدمها إلى إدارة شؤون الموظفين!
لست بحاجة، لأخبركم، أن التوفيق كان حليفي، اعتبر مقطعي، وسيلة ترفيه ولم تؤثر على وظيفيا، بل صرت مشهورا، حتى عرفني المدير التنفيذي للشركة.
أنشأت قبل سنوات حسابا في إكس، لما كان اسمها توتير، حسابا بعنوان" في مديح العادية" لم أظهر فيه هويتي الشخصية.
كان مجرد حساب، أغرد فيه عن فضيلة العيش بسلام وترك التنافس، مجرد حساب، أعبر فيه عن انزعاجي من ثقافة التميز، وصنع الأثر، لم أهدف منه للانتشار فضلا عن التأثير، لكن لسبب لا أدري، انتشر الحساب بسرعة، صرت أتلقى طلبات من دور نشر، للإعلان عن كتب تروج لمثل قناعتي، في البساطة والتواضع.
بالتأكيد، رفضت هذا العروض، فهذا يتعارض مع الهدف الذي أنشأت فيه الحساب، كيف لحساب يفلسف لمبدأ العادية، أن يكون حسابا نشطا، مؤثرا؟
لكنني كنت سعيدا، بأن شريحة بعشرات الآلاف، كانت تتفاعل مع المحتوى، وتعتبر ما فيه نقطة تحول في نظرتها للحياة.
بعد سنتين من إنشاء الحساب، فتحت توتير لأجد هاشتاقا بعنوان:
بالصور فضيحة حساب" في مديح العادية!"
فتحت الهاشتاق، وجدت صورا لي و أنا أركب سيارة الليكزس، صورة يدي وفيها ساعة رولكس، التي أهداها لي جدي، بعدما ثقب أحد أولاد عمي إطارات سيارتي، صورة من صفحتي في اللينكد إن، مع تأكيد على القفزة الوظيفية التي لا أستحقها، صورا لي مع زوجتي في ونحن نتجول في جنيف باريس، حسابها برايفت في الإنستغرام، كيف حصلوا علي الصور؟ أيضا وجدت صورة تكريمي بالطالب المثالي، و أنا في المرحلة الابتدائية! هل تعاونت الجن معهم!
حصل لغط كبير حول الحساب، تلقيت شتائم كثيرة على نفاقي! علق أحدهم: هؤلاء الأثرياء، لا يكتفون بالمال، بل يريدون أيضا أن يحصلوا على المجد الأدبي من خلال ادعاء التواضع والبساطة.
حاولت طيلة 37 سنة من حياتي، ألا أسعى سوى لهدف واحد، أن أكون نكرة، مبتعدا عن الأَضواء ، متجنبا الصدام مع الآخرين، للأسف فشلت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق