دعاني والدي للذهاب معه إلى الرياض، لزيارة عمي وإجراء فحوصات طبية، هذا هو الهدف المعلن أمام أمي، لكن الهدف الخفي حل مشكلة ميراث جدي مع بقية أعمامي، يرفض والدي أن تتدخل النساء في الشؤون الهامة.
لم أتحمس كثيرا للذهاب معه، فلم تكن الرياض آنذاك جذابة كما هي الآن، لكن والدي لديه قناعة أن مكوثي كثيرا مع أخواتي الأربع، يضعف من رجولتي، مع أن العكس هو الصحيح! لا يستشعر الجاهل جهله إلا إذا جلس مع مثقفين، ولا يتبين للفقير مقدار فقره إلا إذا صاحب الأغنياء، كذلك لا تتجلى رجولة الشاب إلا إذا جلس مع فتيات.
إذا سمعت صراخ إخواتك في حوش البيت، عندما يرين "صرصارا" ثم تقوم وتضربه بنعلتك، ثم ترجع وتكمل شرب فنجان شاي الحليب من دون أن تغسل يديك، وتكمل سالفتك مع أمك، سوف تسمع منهن صفات ألطفها بأنك قذر! لكن معناها الدقيق: أنت شجاع ونشعر بالآمان معك.
لما وصلنا إلى بيت عمي، جلس بجانبي ابنه النزق، وأول ما قال لي:
= عندنا دش
=حرام
هكذا رديت بتلقائية، لم أكن متدينا حينها، لكن لم أرغب أن أعطيه أحساس الفوقية تجاهي أنا القادم من قرية.
غادر أبي وعمي في المساء بحجة الفحوصات الطبية! خلا المجلس لي مع ابن عمي النزق.
=هاه، أي قناة تبي؟ عندنا كثير
= ما تفرق، كلهن حرام.
كنت مصرا حينها على الرد حرام بتلقائية كلما ذكر الدش أمامي، هل يجرؤ أن يرد؟
كنا جالسين في المجلس، قام وأحضر جهاز الريموت، وشغل التلفزيون، وأخذ يتنقل بين القنوات!
هذا الدش!
حينها كلما سمعت كلمة الدش، يتبادر إلى ذهني صورة دش الاستحمام، كنت أتصور إذا قيل قنوات كثيرة في الدش، أن كل قناة تبث من فتحة مثلما يخرج الماء من فتحات الدش.
كنت مراهقا في ١٤ من عمري سنة ،١٩٩٤ وأسكن في قرية شمال الرياض.
بعدها بما يقرب من عشرين سنة، عرفت أن الدش هي طبق بالإنجليزية، وأن شكله في السطح يشابه الطبق، العلم نور.
توقف عند إحدى القنوات، تعرض رقصا للباليه، تقدمه فتيات ألمانيات، شد العرض كل حاسة من حواسي، لم ترمش عيناي خلال العرض.
ذهلت من تناسق أجسامهن، تساءلت جينها هل يعقل أن توجد أجساد بمثل هذه الطراوة والتناسق؟
حتى تتصور مقدار الجفاف البصري الذي كنا نعيشه، قبلها بعدة أشهر، توقفت سيارة عند ملعب الحارة، كنا ما يقرب من ١٣ ولدا، نزلت منها فتاة، رأينا فقط لثوان ساقها عندما انكشفت العباءة عند النزول، ظل هذا الموقف حديثنا في الحارة لأشهر.
زمن أغبر ، الله لا يعيده.
= وش رايك، غمز لي بعينه.
= الآن تأكدت إنه حرام!
أمضينا أوقات ممتعة، نتنقل بين قنوات الدش، حتى طرقت الباب أخته " ليلى" التي أحضرت لنا العشاء، تصغرني بأربع سنوات، ملامحها دقيقة، شعرها ناعم، تمللك ابتسامة ساحرة، أكن لها مشاعر خاصة، وهي الحسناء الوحيدة في محيط عائلتنا.
= تراها تعزك.
علق ابن عمي بعدما غادرت أخته، لم أدر بماذا أرد.
أمضينا تلك الليلة في بيت عمي، لكن لم أنم تلك الليلة، توجد معركة داخلي دماغي الصغير، تأتي صورة إحدى الفتيات الألمانيات بجسمها العاري، أحاول طردها بصورة ابنة عمي، الرقيقة المحتشمة، بالتأكيد لم أكن قادرا على تصور ابنة عمي عارية، فهي تظل ابنة عمي.
مضت ساعات أتأمل الصراع الذهني بين الحب العذري، والرغبة الجنسية.
في طريق عودتنا إلى الديرة، لم يتحدث أبي معي كثيرا، فالمراهق في نظره، ليس طفلا تلعب معه، وليس رجلا تتحدث معه حديث البالغين.
أسندت خدي لباب السيارة، وتأملت الخطوط البيضاء المتقطعة في الطريق، كنت أقارن في ذهني بين الفتاة الألمانية، وابنة عمي، بعد زيادة السرعة، أصبحت الخطوط البيضاء خطا واحد في نظري، عزمت حينها أن زوجة المستقبل ستكون ألمانية.
الإنسان إذا رغب في شيء، يتحول إلى أدهى الدهاة، حتى لو كان أجهل من حمار أهله، أعلنت في البداية و كنت في الثانوية العامة، إعجابي بألمانيا، رياضتها، صناعتها، وتاريخها العسكري، ذهبت إلى مكتبة المدرسة، لم يتوفر الانترنت ذلك الوقت، حيث الموسوعة العربية الموجودة ، كنا نسميها الموسوعة الخضراء، لأن لون غلافها أخضر.
تناولت مجلد حرف الأف، باحثا عن ألمانيا، لكن وجدت هتلر قبلها، فموادها مرتبة هجائيا، قرأت ما كتب عنه، شدتني قصته ، الرايخ الثالث ، الفوهرر ، الصليب المعكوف، الهولوكست، صرت أتبجح بها بمناسبة و مدون مناسبة، حتى حصل نقاش مع عمي في اجتماع العائلة السنوي.
أخجلني تخطئته لي، زاد من غيضي سخرية ابنه النزق مني، تأكد عزمي بعدها ليس الزواج من ألمانية ليس فقط لصفاتها الجسدية، بل حتى أبرهن لأبناء عشيرتي أنني أستحق لقب الجرماني.
اخترت في الجامعة تخصص الهندسة الميكانيكية، ليس لأني أحب هذا التخصص، بل إني لعنت نيوتن وقوانينه الثلاثة مئات المرات، لكن اخترته لأن الألمان معروفون بالصناعة الثقيلة، و التي عمادها الهندسة الميكانيكية.
تنقلت بعد تخرجي بين عدة شركات، حتى توظفت في شركة سعودية لها عقود مع شركات ألمانية، وتكرر سفري لألمانيا، لغرض العمل كما أدعي.
تحسن مع الوقت فهمي للثقافة الألمانية، عرفت الفرق بين مدنها، الجانب الشرقي والغربي منها، صرت أستلطف كل شيء يتعلق بالأمان، حتى الصرامة والحدية التي يعرفون بها، صارت جاذبة لي.
طرحت على أهلي في أحد اجتماعات العائلة، فكرة الارتباط بفتاة ألمانية، في البداية عدها أبي طرفة، ولما تأكد من جديتي، اعتبرني مجنونا! أما أمي فقد ظنت أن الألمانيات بنات الكلب، سحرنني! تظن أمي الألمانيات مثل الخادمات الأندونيسية! إحدى خواتي اعترضت وقالت: لو تزوجت ألمانية، فسوف أتزوج إيطاليا، أختي الثانية قالت: أي فتاة تتزوج من شخص من غير ملتها وجنسيتها، فهي فتاة رخيصة!
= لو تحولت إلى الإسلام، تبي تكون رخيصة في نظرك؟
= كل تبن.
عارض أبي بشدة فكرة زواجي بألمانية، لكن مع مرور السنوات، وتمسكي برغبتي، ولأنه يريد أن يرى أحفاده الذين يحملون اسمه أمامه، فأولاد البنات، يعتبرهم أحفادا من الناحية البيولوجية فقط، ! وافق أخيراً.
حصل هذا بالضبط، بعد زواج أختي من ولد في حارتنا، الأخت التي هددت بالزواج من إيطالي.
مضى على زواجنا خمس سنوات، اقتنع والدي أنني لست مجنونا، بل إنه اعترف لي يوما بأنني " حظيظ" ،واقتنعت أمي أن زوجتي الألمانية لم تسحرني، بل ظنت العكس! أما خواتي فقد استعن بزوجتي، كوسيلة للتباهي بها في منصات التواصل الاجتماعية، والحصول على متابعين كثر.
أما علاقتي معها، فسوف أبينها من هذا الموقف
صباح السبت الماضي، حصل بيننا هذا الحوار:
= ماري، ممكن تزينين لي ساندوتش بيض؟
= أنت مريض؟
=لا.
= أنت مشغول؟
= لا.
= أنت ما تعرف؟
= لا.
= قم زينها بنفسك!
بعد مضي عدة دقائق.
= ماري، ممكن تزين لي كوب شاي؟
= أنت غبي؟
= لا.
= ما تناقشنا قبل عن نفس السالفة؟
قمت وأعددت كوبي شاي و فطرتين، وضعتهما على الطاولة، ثم صورتهم، و نزلت الصورة في الانستجرام.
و كتبت:
إفطار شهي، مع الإنسانة التي أختارها قلبي!
حصلت الصورة على تفاعل كبير، شدني من ضمن التعليقات، ما كتبته ابنة عمي ليلى :
" يا حظ من كنت رفيقه"
تمت.