الاثنين، 2 سبتمبر 2024

قصة قصيرةـ زواج


 

دعاني والدي للذهاب معه إلى الرياض، لزيارة عمي وإجراء فحوصات طبية، هذا هو الهدف المعلن أمام أمي، لكن الهدف الخفي حل مشكلة ميراث جدي مع بقية أعمامي، يرفض والدي أن تتدخل النساء في الشؤون الهامة.


لم أتحمس كثيرا للذهاب معه، فلم تكن الرياض آنذاك جذابة كما هي الآن، لكن والدي لديه قناعة أن مكوثي كثيرا مع أخواتي الأربع، يضعف من رجولتي، مع أن العكس هو الصحيح!   لا يستشعر الجاهل جهله إلا إذا جلس مع مثقفين، ولا يتبين للفقير مقدار فقره إلا إذا صاحب الأغنياء، كذلك لا تتجلى رجولة الشاب إلا إذا جلس مع فتيات.

إذا سمعت صراخ إخواتك في حوش البيت، عندما يرين "صرصارا" ثم تقوم وتضربه بنعلتك، ثم ترجع وتكمل شرب فنجان شاي الحليب من دون أن تغسل يديك، وتكمل سالفتك مع أمك، سوف تسمع منهن صفات ألطفها بأنك قذر! لكن معناها الدقيق: أنت شجاع ونشعر بالآمان معك.

 

لما وصلنا إلى بيت عمي، جلس بجانبي ابنه النزق، وأول ما قال لي:
= عندنا دش
=حرام

هكذا رديت بتلقائية، لم أكن متدينا حينها، لكن لم أرغب أن أعطيه أحساس الفوقية تجاهي أنا القادم من قرية.

 


غادر أبي وعمي في المساء بحجة الفحوصات الطبية! خلا المجلس لي مع ابن عمي النزق.
=هاه، أي قناة تبي؟ عندنا كثير
= ما تفرق، كلهن حرام.

كنت مصرا حينها على الرد حرام بتلقائية كلما ذكر الدش أمامي، هل يجرؤ أن يرد؟

كنا جالسين في المجلس، قام وأحضر جهاز الريموت، وشغل التلفزيون، وأخذ يتنقل بين القنوات!
هذا الدش!

حينها كلما سمعت كلمة الدش، يتبادر إلى ذهني صورة دش الاستحمام، كنت أتصور إذا قيل قنوات كثيرة في الدش، أن كل قناة تبث من فتحة مثلما يخرج الماء من فتحات الدش.

 

كنت مراهقا في ١٤ من عمري سنة ،١٩٩٤ وأسكن في قرية شمال الرياض. 



بعدها بما يقرب من عشرين سنة، عرفت أن الدش هي طبق بالإنجليزية، وأن شكله في السطح يشابه الطبق، العلم نور.

توقف عند إحدى القنوات، تعرض رقصا للباليه، تقدمه فتيات ألمانيات، شد العرض كل حاسة من حواسي، لم ترمش عيناي خلال العرض.
ذهلت من تناسق أجسامهن، تساءلت جينها هل يعقل أن توجد أجساد بمثل هذه الطراوة والتناسق؟

 

حتى تتصور مقدار الجفاف البصري الذي كنا نعيشه، قبلها بعدة أشهر، توقفت سيارة عند ملعب الحارة، كنا ما يقرب من ١٣ ولدا، نزلت منها فتاة، رأينا فقط لثوان ساقها عندما انكشفت العباءة عند النزول، ظل هذا الموقف حديثنا في الحارة لأشهر.
زمن أغبر ، الله لا يعيده.

= وش رايك، غمز لي بعينه.
= الآن تأكدت إنه حرام!

أمضينا أوقات ممتعة، نتنقل بين قنوات الدش، حتى طرقت الباب أخته " ليلى" التي أحضرت لنا العشاء، تصغرني بأربع سنوات، ملامحها دقيقة، شعرها ناعم، تمللك ابتسامة ساحرة، أكن لها مشاعر خاصة، وهي الحسناء الوحيدة في محيط عائلتنا.

 

= تراها تعزك.

علق ابن عمي بعدما غادرت أخته، لم أدر بماذا أرد.

 

أمضينا تلك الليلة في بيت عمي، لكن لم أنم تلك الليلة، توجد معركة داخلي دماغي الصغير، تأتي صورة إحدى الفتيات الألمانيات بجسمها العاري، أحاول طردها بصورة ابنة عمي، الرقيقة المحتشمة، بالتأكيد لم أكن قادرا على تصور ابنة عمي عارية، فهي تظل ابنة عمي.

مضت ساعات أتأمل الصراع  الذهني بين الحب العذري، والرغبة الجنسية.

 

 

في طريق عودتنا إلى الديرة، لم يتحدث أبي معي كثيرا، فالمراهق في نظره، ليس طفلا تلعب معه، وليس رجلا تتحدث معه حديث البالغين.

أسندت خدي لباب السيارة، وتأملت الخطوط البيضاء المتقطعة في الطريق، كنت أقارن في ذهني بين الفتاة الألمانية، وابنة عمي، بعد زيادة السرعة، أصبحت الخطوط البيضاء خطا واحد في نظري، عزمت حينها أن زوجة المستقبل ستكون ألمانية.


 

 الإنسان إذا رغب في شيء، يتحول إلى أدهى الدهاة، حتى لو كان أجهل من حمار أهله،  أعلنت في البداية و كنت في الثانوية العامة، إعجابي بألمانيا، رياضتها، صناعتها، وتاريخها العسكري، ذهبت إلى مكتبة المدرسة، لم يتوفر الانترنت ذلك الوقت،  حيث  الموسوعة العربية الموجودة ، كنا نسميها الموسوعة الخضراء، لأن لون غلافها أخضر.
  تناولت مجلد حرف الأف، باحثا عن ألمانيا، لكن وجدت هتلر قبلها، فموادها مرتبة هجائيا، قرأت ما كتب عنه، شدتني قصته ، الرايخ الثالث ، الفوهرر ، الصليب المعكوف، الهولوكست، صرت أتبجح بها بمناسبة و مدون مناسبة، حتى حصل نقاش مع عمي في اجتماع العائلة السنوي.

أخجلني تخطئته لي، زاد من غيضي سخرية ابنه النزق مني، تأكد عزمي بعدها ليس الزواج من ألمانية ليس فقط لصفاتها الجسدية، بل حتى أبرهن لأبناء عشيرتي أنني أستحق لقب الجرماني.


اخترت في الجامعة تخصص الهندسة الميكانيكية، ليس لأني أحب هذا التخصص، بل إني لعنت نيوتن وقوانينه الثلاثة مئات المرات، لكن اخترته  لأن الألمان معروفون بالصناعة الثقيلة، و التي عمادها الهندسة الميكانيكية.

 

 تنقلت بعد تخرجي بين عدة شركات، حتى توظفت في شركة سعودية لها عقود مع شركات ألمانية، وتكرر سفري لألمانيا، لغرض العمل كما أدعي.


تحسن مع الوقت فهمي للثقافة الألمانية، عرفت الفرق بين مدنها، الجانب الشرقي والغربي منها، صرت أستلطف كل شيء يتعلق بالأمان، حتى الصرامة والحدية التي يعرفون بها، صارت جاذبة لي.

 

 

طرحت على أهلي في أحد اجتماعات العائلة، فكرة الارتباط بفتاة ألمانية، في البداية عدها أبي طرفة، ولما تأكد من جديتي، اعتبرني مجنونا! أما أمي فقد ظنت أن الألمانيات بنات الكلب، سحرنني! تظن أمي الألمانيات مثل الخادمات الأندونيسية! إحدى خواتي اعترضت وقالت: لو تزوجت ألمانية، فسوف أتزوج إيطاليا، أختي الثانية قالت: أي فتاة تتزوج من شخص من غير ملتها وجنسيتها، فهي فتاة رخيصة!
= لو تحولت إلى الإسلام، تبي تكون رخيصة في نظرك؟
= كل تبن.


عارض أبي بشدة فكرة زواجي بألمانية، لكن مع مرور السنوات، وتمسكي برغبتي، ولأنه يريد أن يرى أحفاده الذين يحملون اسمه أمامه، فأولاد البنات، يعتبرهم أحفادا من الناحية البيولوجية فقط، ! وافق أخيراً.

 

حصل هذا بالضبط، بعد  زواج أختي من ولد في حارتنا، الأخت التي هددت بالزواج من إيطالي.

 

مضى على زواجنا خمس سنوات، اقتنع والدي أنني لست مجنونا، بل إنه اعترف لي يوما بأنني " حظيظ" ،واقتنعت أمي أن زوجتي الألمانية لم تسحرني، بل ظنت العكس! أما خواتي فقد استعن بزوجتي، كوسيلة للتباهي بها في منصات التواصل الاجتماعية، والحصول على متابعين كثر.

أما علاقتي معها، فسوف أبينها من هذا الموقف

 

صباح السبت الماضي، حصل بيننا هذا الحوار:
= ماري، ممكن تزينين لي ساندوتش بيض؟
= أنت مريض؟
=لا.
= أنت مشغول؟
= لا.
= أنت ما تعرف؟
= لا.
= قم زينها بنفسك!

بعد مضي عدة دقائق.
= ماري، ممكن تزين لي كوب شاي؟
= أنت غبي؟
= لا.
= ما تناقشنا قبل عن نفس السالفة؟

قمت وأعددت كوبي شاي و فطرتين، وضعتهما على الطاولة، ثم صورتهم، و نزلت الصورة في الانستجرام.

و كتبت:
إفطار شهي، مع الإنسانة التي أختارها قلبي!

حصلت الصورة على تفاعل كبير، شدني من ضمن التعليقات، ما كتبته ابنة عمي ليلى :
" يا حظ من كنت رفيقه"
تمت.

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 1 يوليو 2024

ماذا بعد القراءة؟


 

 

في لقاء طارق خواجي مع أبي مالح، ذكر أنه لا يوجد أي مفخرة كونك تعرف نفسك بأنك قارئ، لأن القراءة في حد ذاتها ليست مقصودة لذاتها.

 

تذكرت هذا الحوار، لما رجعت إلى مفضلة حسابي في إكس، فبعد أن أخفى إيلون ماسك الإعجابات، وجدت فيها الكثير من التفضيلات لتغريدات عنصرية! لكن لم يكن هذا مقصودي، رجعت إليها لأنقل عناوين الكتب التي عملت لها تفضيلات، إلى ملف خاص بالكتب، وجدت الكثير من الكتب! لو أنهيت كل أسبوع كتابا، سوف أحتاج إلى ١٠ أشهر حتى أفرغ منها.

 

 

أين المخرجات؟

 

مرت علي حسابات لأشخاص، يذهبون كل سنة، لعدة معارض كتب، يخرجون منها، بأكياس من الكتب، آخرون يضعون صورا لكتاب مختلف كل يومين! لا أتحدث هنا، عمن يدعي أنه قرأ كتابا، ولم يقرؤه، هؤلاء لا أصافحهم، أتحدث هنا، عن من يقرأ  هذا الكم الهائل من الكتب، لماذا لا يوجد مخرجات مقابلة؟ النهم العالي في قراءة الكتب، لا بد أن ينتجه عنه، كتب أو على الأقل مقالات مطولة، و ليس مجرد : "هذه أعظم رواية قرأتها حتى هذه السنة".

 

بالتأكيد، أعلم أن قدرات الناس ليست واحدة، بعضهم لديه قدرات محدودة في الفهم و التعبير عن الأفكار، أصنف نفسي واحدا منهم، لكن تحدث هنا، عن شخص قرأ ٢٠٠ رواية، ثم لا يستطيع أن يقدم فكرة بقالب قصصي مشوق، لا أريد منه أن يكتب رواية، على الأقل، أن يستفيد من الأساليب القصصية التي مرت عليه.

 

 

في هذه الخاطرة، سوف أتحدث عن فكرة إذا لم ينتج عن كثرة قراءات، مخرجات معرفية، فلديك خلل في القراءة.

 

 

الفخ الرقمي:

 

يوجد في فضاء إكس، الكثير من الحسابات المعتنية بالكتب، حساب يضع صور مشترياته من معرض الكتاب، آخر يضع صورة لكتاب مع كوب قهوة، لا أدري ما المشكلة مع كوب الشاي،  ثالث يصور مقطعا من رواية، رابع يذكر معلومة في كتاب قرأه، و هذا سلوك متفهم ومنطقي، فإكس ليس مجرد تطبيق، إنما عالم آخر، نمارسه فيها جزء من سلوكنا الاجتماعي.

 

 كما أنك إذا جلست مع صديق ، في مقهى و سألك وش من جديد؟ فترد عليه بأنك قرأت كتاب رياض الريس، ووجدت فيها معلومة لطيفة،  أن أصل تسمية زنجبار، فارسي، لأن الزنج باللغة  الفارسية السواد، ثم يتفرع من هذه المعلومة نقاش بينك وبين صديق.

 

 لن  يعيد صديقك المعلومة التي ذكرتها، عكس الفضاء الرقمي، وهذا هو  الفخ الرقمي.

  حتى يحصل محتواك على تفاعل كبير، لا بد أن يكون جذابا، لا يكفي أن تصور كتابين من معرض الكتاب، لابد أن تحتوى الصورة ٢٠ كتابا أو أكثر، لا يكفي أن تصور رواية، لابد أن تعلق : " بعد الانتهاء من قراءة الرواية، لن تكون نفس الشخص!"

 

 

 

الامتلاء الكاذب:

كنت في جلسة مع أصدقاء، جرى الحديث عن كتاب: الدولة المستحيلة، لوائل حلاق، تناقشنا حوله، لم يكن واحد منا قد قرأ الكتاب! مداخلاتنا في الحوار، مجرد انطباعات تلقيناهم من نقاشات إكس عن الكتاب، ولقاءاته التلفزيونية، هذا من عيوب الأوساط الرقمية الثقافية.

فهي من جهة تحمسك لمواضيع ثقافية، لكنها في نفس الوقت، تضعف رغبتك في قراءة الكتب، لأنها تشعرك بالامتلاء المعرفي الكاذب.

 

أنا شخصيا، لا أعتبر مخلصات الكتب، أو حلقات البودكاست عن الكتب، مغنية عن قراءة الكتاب، بل هي تصلح مدخلا لفهم فكرة الكتاب، لكن حتى تفهم الفكرة ، لابد أن تطلع على كيفية بنى الكاتب أفكاره، المنهجية التي سار عليها في التوصل لاستنتاجاته، ليس المهم فكرة الكاتب، المهم كيف توصل إليها، هذا ما يعطي الفكرة ثقلها المعرفي.

وائل حلاق مثلا في الدولة المستحيلة، تحدث بإسهاب عن كون الحكم الإسلامي التقليدي حكم أخلاقي، يراعي تنمية الجانب الأخلاقي، بينما الدولة الحديث المعاصرة، ليس من اختصاصاتها تنمية الجانب الأخلاقي، ثم كيف توصل بعد ذلك، إلى بقية أفكاره. 

من العبث النقاش حول فكرته النهائية، دون الوقوف عن المقدمات.

 

 

القراءة المسيسة:
مهنا المهنا، ناشط كويتي في المجال الثقافي، يتحدث كثيرا عن الكتب، يصور حلقات مرئية وخلفه مكتبة، مع ذلك لم يستفد مطلقا من قراءاته، لأن لديه أفكارا محددة: الماسونية تحكم العالم وخلفها اليهود، الدولة العثمانية دولة عظيمة، الوهابيون و أتباع ابن تميمة متوحشون، فهو يبحث في الكتب عن ما يدعم أفكاره، و يتجاهل ما يضادها.

 

المهنا مجرد مثال لأناس، تمضي سنوات وهم بين الكتب، مع ذلك لم تتغير قناعاتهم، أناس أمضوا ٤٠ سنة في المجال الثقافي، لم يتراجعوا عن أي فكرة، هل هذا معقول؟  هل لديهم وحي إلهى يرشدهم.

 

إذا كان مقصودك في القراءة مجرد تدعيم قناعات مسبقة، فستكون شخصا مزعجا، فلن تكون الجاهل، الذي من الممكن أن يرد عليه، بذكر معلومة مضادة ، وليس لديك مرونة فكرية، لتقبل تصورات مخالفة.

 

تقييد الأفكار: 
شكوت لمعلمي في المرحلة الثانوية، بأني أنسي ما قرأت، بعدما أنتهي من الكتاب، فقال لي أسوء نصيحة سمعتها في حياتي: قراءة الكتاب، تحسن من فهمنا ووعينا، لا يهم إذا نسيت ما قرأت! في الواقع إذا لم تدون أفكار ومعلومات الكتاب و تتأملها وتفكر بها، فلن يتحسن مستوى وعيك، و ستكون قراءة الكتاب، مثل قراءة جريدة، تأثيرها محدود جدا.

 

شاهدت قبل فترة مقطعا لمؤثر في منصة إكس، يكرر نفس النصيحة السيئة، أقول سيئة، لأن هذا المؤثر له بها ثمان سنوات، بلا مبالغة، يتحدث كل يوم عن كتاب، مع ذلك لم يكتب أي مقالة فضلا عن كتاب، كل تعليقاته عن الكتب: هذا كتاب مميز في علم النفس الوجودي، هذه رواية إيطالية رهيبة، هذا فكتاب فكري يصدع بالراس!

 

الشخص الذي لا يدون أفكار الكتاب، مثل شخص يذهب إلي محاضرة جامعية، من دون أن يقيد شيئا، مجرد ضياع للوقت والجهد.

 

 

 

 

الكتاب المناسب :
نصحني صديق بقراء رواية موبي ديك، بدأت بها ثم توقفت، بعد مدة،  قرأت لمثقف عربي، أنه قرأ هذه الرواية مرغما، لأنها مشهورة في الوسط الثقافي!

أحد أسباب ضعف الانتفاع من قراءة كتاب، قلة الاستمتاع به، مهما تكن الدوافع، لا تضيع وقتك وجهدك في قراءة ما لا تستمتع به. الكتب أنواع وأشكال، يوجد العشرات من الكتب عن تاريخ الدولة الرومانية، عشرات الكتب عن النحو، عشرات الكتب عن فن الطبخ! لا ترغم نفسك على قراءة كتاب محدد، إذا كنت مهتما بموضوعه، سوف تجد بدائل أفضل منه.

 

حرية النقد:

أخمن بعد نشر المقال، سوف أجد تعليقات من نحو "  وش دخلك، خل الناس تقرأ كما تشاؤون، خل الناس تصور كما يشاؤون!"

 

 بالتأكيد هم أحرار، لم أمنعهم من ذلك! أنا هنا فقط أعبر عن رأيي!

 

 

 

 

 

 

 

   

 

 

أ

 

 

السبت، 22 يونيو 2024

كيف يفسر مفهوم الضولة، هوسنا بكرة القدم؟


 

تعمل سلمى في جامعة سعودية، لم تكن تهتم بكرة القدم كثيراً، فقد مضت عشر سنوات على آخر مشاهدة لها لمباريات كرة القدم، تحديداً في عام 2010 عندما أقيمت في جنوب أفريقيا، لكنها تابعت بشغف كأس العالم الحالي، ما سبب متابعتها هذه المرة؟

 

وضعت الجامعة التي تعمل بها شاشة كبيرة، لعرض مباريات كأس العالم، توقفت سلمى بالصدفة مع زميلة وشاهدت مباراة، استمتعت بالمشاهدة واستمتعت أكثر بمشاركة شعور إيجابي مع زميلاتها، لتقرر فيما بعد أن تشاهد ما تستطيع من مباريات كأس العالم.

 

ما حصل لسلمى حصل لي أيضاً، يتردد صديقي وليد على شيخ لضبط حفظ القرآن لم يكن صديقي يشاهد مباريات كرة القدم، لما ذهب إلى الحلقة بعد مباراة السعودية ضد الارجنتين، وجد الشيخ يوزع حلوى الفوز على طلاب الحلقة الصغار، ثم تحدث مع زميلي عن جوانب فنية في المباراة، بعدها بأيام دعاني زميلي وليد مع شيخه لمشاهدة مباراة السعودية ضد بولندا، علما أنني وصديقي وليد لا نشاهد مباريات كرة القدم، لكن وجدنها فرصة لمشاركة أوقات ممتعة مع حافظ للقرآن بالقراءات العشر.

 

أعتبر حالة سلمي وليد مثالين لفكرة أن الهوس الكبير بمتابعة كأس العالم، لا يعود إلى أن كرة القدم لها جماهير طاغية، إنما لأنها مناسبة للتواجد مع عدد كبير من الناس، يتحول البعض تدريجياً للاهتمام بها، رغبة في مشاركة محيطه الاجتماعي أوقاته السعيدة.

 

يوجد مصطلح اجتماعي اسمه (الضولة)، قد لا يكون دارجاً، لكن أعتبره أفضل معبر عن هذا السلوك، تعني الضولة اجتماع الناس حول حدث من غير تخطيط، كما حدث مع سلمى ووليد، بغض النظر هل الحدث جميل أو سيئ..

 

 

 فالإنسان كائن اجتماعي، يفضل أن يكون جزء ممن حوله، لا يرغب أي واحد منا أن يظل معزولاً عن أحاديث من حوله، حتى لو كانت هذه الأحاديث من النوع الذي يكره، بل الإنسان الانطوائي، يجد متعة في متابعة حدث بجواله، أو التحدث عنه مع صديق

 

 

لاحظت خلال معرض الكتاب الماضي، أن دور النشر التي يجلس عندها البعض ويتحدثون داخل دار النشر، يجذبون أشخاصاً أكثر من دور النشر التي لا يجلس عندها أحد، ولما كنت في مطار الملك خالد الدولي، لاحظت أن المقهى يظل خلواً لا يقف عنده أحد، بمجرد أن يقف عنده زبون أو اثنان، يتكون طابور من الزبائن لا يقل عن ستة أشخاص.

 

لعل توتير يمثل أبرز منصة لمفهوم الضولة، حيث يوجد حسابات لا تقدم أي محتوى مفيد أو لغة مهذبة، لكنها لأنها تثير جدلاً وتحظى بردود وتعليقات حتى لو كانت شتيمة، نجد الكثير يتفاعل مع محتواها.

 

الضولة في الأدب الشعبي:
تكاد تختفي كلمة الضولة من الاستعمال الشعبي، خلال بحثي في الانترنت، 
وقعت على قصة وجدتها، تكون (الضولة) محورها، بل  يمكن أن تُعتبر هذه الأبيات، أشهر أبيات شعرية ورد فيها كلمة(الضولة).
خرج محمد بن مهلهل الشعلان الرويلي في أحد الأيام من بيته ذاهبا في طريقه فصادف رجلين يتعاركان فغلب أحدهما الآخر فما كان من المغلوب إلا أن انتخى بمحمد وقال : ( تكفى يا ابن شعلان ) وهو يعرف محمداً، فالرجلان من نفس عشيرته، فجرد محمد سيفه وقتل الرجل الآخر وهو لا يقصد قتله،  ثم غادر محمد عشيرته خوفاً من القصاص. 

ظل محمد الشعلان خارج الديار لمدة طويلة، حتى أتاه الخبر بأن أهل المقتول قبلوا الفدية وأنه يستطيع العودة، فرح محمد كثيرا واتجه على الفور إلى قبيلته.

 وبينما هو على مشارف بيوتهم التي اشتاق إليها كثيرا رأى ( ضول ) أي جمعاً من الناس ، متجمعين على مورد للماء، فقال : لم لا أذهب وأرى ماذا يحدث ؟ وذهب هناك، ووجد رجلين يتقاتلان وأحدهما يطارد الآخر وبيده سيف يريد قتله فما كان من الهارب إلى أن لاذ وراء محمد وقال :( أنا بوجهك يارجل ) فأتى ذلك الرجل خلفه يريد قتله وهو من وراء محمد الشعلان فقال له محمد : ( بوجهي يارجل ابعد عنه ما تجيه )،ولكن ذلك الرجل لم يكترث بكلام محمد وهو ينوي قتله،وهنا غضب محمد وسل سيفه وقتل ذلك الرجل، ثم غادر الديار مرة أخرى،  و أنشد قصيدة،  منها هذه الأبيات:

 

 

ليا شفت ضول الناس بالك تعسّه

                                           وإن جنّبك شر المخاليق خلّه 

لو عندنا من غيب الأيام رسّه

                                          الآدمي مصلوح نفسه يدلّه

لمحمد الشعلان موقف سلبي من الضولة، فقد جلبت له المتاعب، لكن قد يكون لطبيعته المندفعة دور في ذلك، بالمقابل يرى معظم الناس في الضولة وسيلة للانتماء لحركة اجتماعية.

كل يحوش النار لقرصه

يفرق المختصون في التسويق الرقمي بين المحتوى الدائم والمحتوي المؤقت، حيث يحصل المحتوي المؤقت المرتبط بحدث على تفاعل كبير، لكنه سرعان ما يخبو.

 

توجد شريحة متعلقة بمباريات كأس العالم،  سواء كانوا لا عبين أو مشجعين، يستفيد منهم قطاعات معروفة مثل شركات الطيران والفنادق، لكن يوجد شريحة أخرى تستفيد من الوهج الإعلامي للحدث، مثلا مسؤول التواصل الداخلي في شركة، يقرر جلب شاشة عرض لعرض المباريات، كنشاط لتعزيز اللحمة داخل أعضاء الشركة، مصمم فيديوهات، يعرض انتاج فيديو قصير عن المناسبة وتستخدمه جهة كوسيلة تسويق، طبيب ينشر صورته القديمة مع أحد اللاعبين  الذين عاجلهم قبل فترة، ليفتخر  بأنه شارك في إنجاز الكوري من خلال علاج اللاعب، فتاة ترغب أن تكون مودل، تختار مقعداً مميزاً في مدرجات المشجعين، لتلتقطها عدسات التصوير، شاعر ينظم أبيات  شعرية بالمناسبة، رسام يوثق فرحة جمهور برسمه.

 

أخمن أن الكيانات الكبرى من شركات وجهات حكومية لا تستفيد كثيراً من التواجد في الضولة، فهي كيانات أكبر من أن يحسن من سمعتها مقطع ترويجي أو فعالية داخلية، لكن يستفيد من الضولة أفراد، فهي أكبر من إمكانياتهم! وتقدم لهم فرصة للحصول على رأس مال اجتماعي.

 

 

هل تدوم الضولة؟

من القواعد الاجتماعية أن يأتي بسهولة، يذهب بسهولة، شعور التعلق بمناسبة لا يدوم كثيراً، لذلك كنت أتعجب ممن يرى أن تعاطف العرب مع فرقهم في المونديال، يمكن أن ينعكس على تعاطفهم مع بعض في قضايا كبرى، الأشخاص الذين حصلوا على تمجيد في مباراة الأرجنتين، حصلوا على تبخيس في مباراة المكسيك.

 

لذلك إذا كنت في (ضولة )ما، حاول الاستفادة منها بقدر الإمكان، على الأقل مشاركة الشعور مع أصدقاء، فهي  تجربة حلوة، كما حصل سلمي ولي، لكن لا تعتمد علي دوامها طويلا.

 

 



 

الخميس، 20 يونيو 2024

محطات من سيرة باربرا وولترز

إحدى أمنيات حياتي، أن أعمل في شركة إعلامية، لا أعني بذلك أن أكون مذيعا، فليس لدي الإطلالة الساحرة أو سرعة البديهة، يكفي أن ظهور صلعتي كفيل بطرد كل المشاهدين، لكن أريد أن أعمل في تحرير وإعداد المواد الإعلامية، أجد متعة أن أجمع معلومات وآراء حول قضية ما، أعرضها بطريقة جذابة. 

عملت معدا ومقدما لبودكاست عن الكتب والأفلام، وأعمل محررا في نشرة بريدية، لكن طموحي أعلى من هذا بكثير.  

 

 

لذلك عندما كنت أقرأ مذكرات المذيعة المتألقة باربرا وولترز، اختلط في نفسي شعوران، شعور المتعة لقراءة مذكرات إعلامية، وشعور الحسرة، أنني لم أخض هذا المجال.

 

من هي ؟ 

هي صحفية، كاتبة، مذيعة أمريكية، امتد بها العمر ، فقد ولدت عام ١٩٢٩ و توفيت ٢٠٢٢، تقريبا عاشت ٩٠ سنة، قضت ما يقرب من ٥٠ منها في الإعلام. 

أجربت مقابلات مع أشهر السياسيين في العالم.

 


الجاذبية النسائية:    

اشتكت باربرا خلال سيرتها، من محاربة الإعلاميين الرجال لها، فقد كان وظيفة المحاور التلفزيوني، تكاد تكون حصرا على الرجال، باستثناء البرامج التي تستهدف الأطفال والقضايا النسائية.

 ترى باربرا أنهم لم يكونوا يريدون لها أن تدخل، لأنهم يرون النساء أقل مهارة منهم. تحدثت بمرارة أنه عندما يذهب الطاقم الرجالي للحانة، تكون باربرا محورا لطرائفهم! وقد حاولت أن تدخل معهم، أن تكون ضمنهم في الأحاديث الجانبية، بالمشاركة في أحاديث الرياضة، التي عادة ما تكون رجالية، في ذلك الوقت، لكن فشلت في كسب ودهم.

 

لدي تعليل آخر، لمحاربة بعض الإعلاميين الرجال لها، فباربرا جذابة، وضيوف البرامج الحوارية من عادة ما يكونوا رجال ، لذلك من المتوقع في نظر منافسيها الذكور الرجال أن تحظى باربرا بفرص أحسن منهم، و قد حدث هذا. 

من يصدق أن دكتاتورا مثل فيدل كاسترو، يقود بنفسه السيارة التي ركبتها باربرا، لما زارته، ويعطها مسدسه الخاص، لتحمله؟ ويطبخ بنفسه وجبة عشاء لضيفته باربرا؟ و في عزاء السادات، ذكرت جيهان لباربرا أنها كانت تغار منها، بسبب تفضيل  السادات لها. وقد كان كيسنجر، يعاملها معاملة خاصة، حتى سرت إشاعات أن بينهما علاقة.

جاذبية الرجال للنساء والعكس، هذه حقيقة بيولوجية، فكيف إذا كانت المذيعة جذابة ومشهورة؟ 

 

روي كوهين: 

هذا محام يهودي، ربطته صداقة مع والد باربرا اليهودي، لكن لم تكن تستلطفه باربرا في البداية، بسبب أنه عمل مساعدا للسيناتور مكارثي، عندما كان يستجوب الإعلاميين، والمثقفين عن انتمائهم للشيوعية.        

لكن موقف باربرا تجاهه تغير بعدما ساعد والدها، فوالدها يحب المغامرة المالية، يدخل في مشاريع ترفيه طموحة جدا، يكسب عاليا ثم يخسر، حتى رفعت عليه قضايا مالية، وصدر أمر بالقبض عليه. 

طلبت باربرا من روي المساعدة، نظرا لعلاقته مع القضاة، استطاع أن يوقف مذكرة الاعتقال! حتى استطاع والدها، تسديد الديون عليه.  بعد هذا الموقف، خرجت باربرا مع روي في لقاءات عشاء، في نهاية العشاء، كان يقبلها على الخد، وهي خطوة تسبق المواعدة الغرامية. لكن لاحظت باربرا أن قبلاته باردة، ثم طلب منها الزواج ورفضت. 

بعد ذلك، تبين أن روي شاذ جنسيا، وقد يكون فكرة زواجه من باربرا، حتى يخفي ميوله الجنسية، توفي روي فيما بعد بمرض الإيدز.

 تقول باربرا: يلموني كثير من الناس عند الحديث الإيجابي عنه، لكنه فعل الكثير لأبي.

 

الأخت جاكي:    

من أكثر الفصول رقة في السير الذاتية التي قرأتها، حديث باربرا عن أختها جاكي، تكبرها جاكي بثلاثة أعوام، لكنها تعاني من إعاقة، وتأتأة عالية، لم تذهب جاكي إلى المدرسة، و لم يكن لها أصدقاء، و مع كل نجاح لباربرا، سواء كان نجاحا دراسيا، مهنيا، اجتماعيا، كانت تشعر أن فرحتها لم تكتمل بسبب أن أختها محرومة من هذا النجاح.

قرأت باربرا مذكرات أختها لما ماتت، لم تجد فيها مشاعر سلبية مثل الحسد تجاهها، مع أن باربرا امتلكت المجد، المال، الثقافة، العلاقات الاجتماعية.

 

أصيبت جاكي قبل وفاتها بالسرطان، العجيب أنها في أخر أيام حياتها، زالت عنها علتها في التأتأة.

 

مواقف منوعة:   

  . لما ذهبت باربرا إلي الهند قابلت رئيس وزراء ديساي، أخبرها أنه يتبع حمية غذائية، و يشرب بوله! لأنه مفيد صحيا. 

. لما ركبت يخت عدنان خاشقجي، تاجر السلاح المعروف، كان لديه معلم هندوسي، في اليخت، يحكي له الضيوف همومهم، ويجيب عليها، لكن تبين فيما بعد أن عدنان، كانت يتنصت عليها، حتى يعرف نقاط ضعف ضيوفه!

. قابلت تاتشر بعدما غادرت المنصب، تقول تاتشر: يرن الهاتف، فأقفز من مكاني، أظنها مكالمة عند قمة في الأمم المتحدة، ثم أتذكر أني لم أعد في المنصب.

. لما قيل لجولدا مائير، أن السادات و مناحم بيجن، سوف يحصلان على جائرة نوبل للسلام، قالت: يفترض أن يحصلا على جائزة الأوسكار!

. لما قابلت هنري فورد قال لها: أعط دائما عذرا واحدا، لا تعط أبدا عذرين.

. عندما قال لها السادات: أن أجرها السنوي مليون دولار، قالت: ليس يحيى الإنسان بالمال، ، لكن  بالحب!

. لما دخلت على ياسر عرفات في مكتبه ببيروت، وجدته أصلعا!

 

 

 

العائلة:
من ضمن المواقف التي سجلتها باربرا، سؤالها لماري ايزنهاور، كيف دام زواجها ٥٠ عاما؟
فقلت: لم يكن بيننا شيء مشترك على الإطلاق! أظن هذا الموقف علق في أذنها، لأنها تزوجت أربع مرات، من أشخاص من عالم الترفيه والإعلام، وفشلت كل زواجاتها. 
لم تفشل زواجاتها بسبب خلافات بينها وبين أزواجها، ولكن لأن نمط حياة من يعمل في مجال الترفيه والإعلام مذبذب. 

العجيب أن والد باربرا يعمل في مجال الترفيه، وهي تعلم أن هذا المجال، يصعب معه تكوين عائلة مستقرة، مع ذلك تزوجت من هذا الوسط.  

أنا أيضا على قناعة، الأفضل للزوجين ألا يكون لهما نفس الاهتمامات المشتركة، لكن يكون بينهما توافق في الطباع.

 

 البنت جاكي: 

أعلنت باربرا على التلفاز أنها رزقت ببنت، أسمتها جاكي على أختها.   

انهالت عليها التبريكات، ادعى بعض المتصلين أنهم علموا بحملها حتى وهي تحاول أن تخفي ذلك.  

لكن الواقع أن باربرا لم تحمل، فجاكي ابنتها بالتبني! فقد اجهضت عدة مرات، وتقدم بها العمر، واقتنعت بأن التبني أفضل خيار. 

استشارت باربرا صديقا عن كيفية إخبار ابنتها، أنها متبناة، في أي عمر، ومتى؟ فقال لها: لمحي لها، مع الوقت سوف تدرك.

استحمت مرة باربرا مع ابنتها، وقالت لها: الأطفال يأتون من هنا وأشارت إلى بطنها، لكنك أتيت من هنا وأشارت إلى قلبها.

 

كان جسم جاكي ضخما، فلم تستطع تكوين صداقات مع فتيات، في فترة المراهقة، تعرفت على شباب سيئين، وقعت في المخدرات، أنقذتها باربرا بصعوبة، كونت جاكي فيما بعد، مصحة للعلاج، الغريب، أن معظم روادها من الفتيات المتبنيات.

 

 

سرعة البديهة:  

تقول بابرا الرغبة في استضافة شخصية، رغبة من الطرفين، برنامجي يحتاج ضيوفا، و الضيوف يرغبون في الشهرة، لكن الظهور الإعلامي الجيد يحتاج قدرا من سرعة البديهة.

فقد استضافت ريتشارد نيكسون بعدما عزل من منصبه، وتعمدت أن تجعل آخر اللقاء، سؤالا محرجا، يتطلب ردا سريعا، فقد سألته هل ندمت على عدم إتلاف السجلات التلفونية، و التي كانت سببا في إدانتك، أجاب بنعم!   

وهو جواب صادق لكنه كرس الصورة السلبية عنه.     

عندما استضافت محمد رضا شاه إيران مع زوجته فرح، قالت له: لماذا تعتقل من ينتقدك؟ قال: لأني ملك!  ولما قالت له: هل ترى المرأة مساوية للرجل بالعقل، أجاب: بلا! وهو أجوبة صادقة منه، لكنها غير مناسبة، وكرست الصورة السلبية عنه أنه بعيد عن الناس.

  
بينما لما سألت بوتين، هل صحيح أنك تغتال خصومك السياسيين؟ أنكر ذلك، وهذا كذب، لكنه الجواب الذكي.   

 

 

  الأفضل الجمع بين الرد الذكي والصادق، كما فعل الملك عبد الله بن عبدالعزيز لما سألته باربرا، هل تؤيد حقوق المرأة، فقال: أمي امرأة، زوجتي امرأة، أختي امرأة، ابنتي امرأة، فكيف لا أناصر المرأة؟ 

 

 التحيز اليهودي:      

تقول باربرا أنها وعائلتها غير ملتزمين بالشعائر الدينية، بل عند وفاة والدها، وهو أول شخص يتوفي في عائلتها، لم تكن تدري كيف تقام مراسم الدفن، لكن في سيرتها كانت مؤيدة بشدة للإسرائيل، وقد توفر لها فرصة التعرف على مأساة الفلسطينيين، في جنوب لبنان، مع ذلك لم تبد أي تعاطف معهم.

 

 

 

 


الاثنين، 29 أبريل 2024

كيف قلص العلم من تنوعنا الثقافي؟


 

 

عندما زار الصحفي الشهير مصطفي أمين أمريكا في الثلاثينيات، كتب عن رحلته كتابه " أمريكا الضاحكة"وصف بها انطباعاته عن المجتمع الأمريكي، وهو كتاب ظريف جدا، يصنف من ضمن أدب الرحلات، لفت انتباه أمين هناك جمال الفتيات الأمريكيات، لكن لاحظ تشابها بينهن، رشيقات، يلبسن الجينز، وقارنهن بالفتيات المصريات، اللاتي تتفاوت درجات الجمال، لكنه جمال منوع! جمال عفوي، لم تعبث به معايير مخرجي هوليوود. 

 

للأسف، لم تقتصر هذه ظاهرة التنميط على موضوع الجمال الجسدي فقط، بل شمل معظم جوانب حياتنا، الجامعات، مثلا، أصبحت تخصصها متشابه، مناهجها الدراسية متطابقة، المطارات أيضا تشعر أنك أمام نسخ مكررة، المتاحف، لم تعد قادرا أن تفرق بين طريقة إدارة المتاحف التاريخية أو الفنية، تجد في نهاية المتحف، محلا صغير، يبيع محتويات متعلقة بالمتحف بمبلغ ضخم، لست ضد فكرة المتجر، لكن ألا توجد طريقة أخرى لزيادة الدخل، غير هذه الطريقة؟

 

بعث لي فكرة المقال، تفكيري الحالي في تصميم حاليا بيتي، أنا محب للتراتنا العمراني، لكن عندما بحثت عن أحسن أنواع التصاميم، اهتديت إلى التصميم العصري، الذي يشبه فتيات أمريكا كما شاهدهن مصطفي أمين، تصميم: رشيف، شفاف، عملي، مبهر، لكنه في نفس الوقت، يتشابه مع نفس البيوت العصرية في هولندا، كندا.

 

لماذا نعاني من غلبة النمطية في حياتنا؟  لماذا لم يعد الواحد يفرق بين حضور مؤتمر تقني، أو معرض سياحي؟ لعل الجواب ما ذكره الفيلسوف الفرنسي ميشيل هنري في كتابه : : الهمجية: و قد أحسن المترجم  جلال بدلة عندما وضع عنوانا جانبيا " زمن علم بلا ثقافة" ، وهي الفكرة الجوهرية في الكتاب، فلم تكن موجودة في الأصل. 

 

يقصد بالثقافة هنا، المعنى الأنثروبولوجي، وهي طريقة نمط الحياة، يجادل هنري في كتابه، أن البشرية في تاريخها، كان يوجد لدى أفرادها تنوع ثقافي، في الزي، الأكل، التعبير عن الفرح، يتغذى التنوع  على الميول الشخصية، الأعراف الاجتماعية، فيكون لكل واحد بصمته الثقافية، تتضح في تصميم بيته، تناول غدائه، لباسه، وسائل ترفيهه.

 

لكن بعد صعود العلم في فضائنا العام، تقلص دور التنوع الفردي شيئا فشيئا

فالعلم تجاوز الفضاء المخصص له، إلى فضاءات أخرى كانت الفنون، الأديان، والذوق الخاص تهمين عليها.

 

ترجع الصعوبة هذه المعضلة، إلى تغلغل العلم في جوانب حياتنا، فهو ليس مجرد فكرة، ممكن أن تستغني عنها، أقول دع العلم في شأنه، و الفن في شأنه، فالعلم روح العصر.

 

 لو رجعنا لمثال تصميم بيتي، لو أردت أن أصممه وفق ذوقي، بالنمط التراثي النجدي، سوف أصطدم بكون السوق لديه مواصفات محددة، للبلاط، النوافذ، الأبواب، لو أردت تصميم بيت خارجا عن هذه المواصفات، سوف يكلفني هذا الكثير.

 

 سهل العلم من تأدية مهامنا، لأنه منطقي، يمكن التنبؤ بنتائجه، بخلاف الفنون والآداب والتي تعتمد علي الذوق الشخصي، يصعب التنبؤ هل ستلقى رضانا أو لا.

 

أيضا  يسهل نقل العلم من مكان إلى آخر، فالعلم لا جنس له، و قد مثل له نجيب محفوظ في رواية أولاد حارتنا، بصبي لا يُعرف له أب أو أم،  بخلاف الفنون والآداب، التي إذا نقلت من سياقها الاجتماعي، تفقد رونقها،

 

أخمن أن كثرة الحديث في وقتنا عن أهمية الإبداع والتفكير خارج الصندوق، لا ترجع إلى أننا أكثر إبداعيا من الأجيال السابقة، بل على العكس، بناء على فكرة أن كثرة الحديث عن شيء، يعكس غيابه عن حياتنا.

 

التنوع الثقافي كان سلوكا يوميا لدى الأجيال السابقة، كان كل فرد، يجمل الأدوات التي يستخدمها بنفسه، يكيف حياته حسبما يريد، لكن العلم، خنق هذا التنوع، كلما فكرت بطريقة مختلفة لتأدية عمل ما، يأتي الاعتراض، لكنها تكلف طاقة أكثر، تستهلك صيانة أعلى،  تحتاج لتدريب على استعمالها أطول.

 

يمكن ملاحظة هذه في البرامج والتطبيقات التي تستخدم في بيئات العمل، هي بلا شك، سرعت من وتيرة العمل، زادت من الإنتاجية، سهلت المراقبة والتقييم! لكنها جعلتنا نفكر بطريقة مشابهة، الأفكار التي تخرج من العصف الذهني لمجموعة تفكر في تنظيم معرض الكتاب، تشابه الأفكار التي تخرج من العصف الذهني لمجموعة تفكر التسويق لمؤتمر علمي.

 

 

 

 

 

 

 

الثلاثاء، 23 أبريل 2024

عرض لسير علي خامنئي ، إن مع الصبر نصرا.

 

 

 

سوف أعرض هنا، أبرز المحطات  التي استوقفني في سيرة على خامنئي المعنونة ب" إن مع الصبر نصرا" و قد أملاها بالعربية، و تولى مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي بيروت طباعتها عام 2009.


علما، أن مذكراته أوسع من هذه بكثير، لكن اقتصر مركز الحضارة على طباعة القسم الخاص بالسجون.

 

 

مشروع عالم وليس سياسي:
سيرة على 
خامنئي ، ثاني سيرة أقرؤها لأحد رجالات الثورة، السيرة الأولى، لأكبر هاشمي رفسنجاني, المساة" حياتي" ، لمست في حديث رفسنجاني عن حياته، أنه رجل أعمال ومقاول، يحسن تنفيذ المشاريع، أو كما يعبر عنه في الإنجليزية make things done, ، و قد أخبرني صديق متابع نوعا ما لأخبار إيران، أن الملفات التي تولها رفسنجاني،  لقيت نجاحا.

بالمقابل ، يظهر لي من سيرة على خامنى ، أنه مجاله العلم و التأليف، اقتصر حديثه في ما قبل الثورة على جهوده الدينية، يذهب إلى مدينة ما، يلقى دورسا دينية، يظهر لي أيضا أنه يجيد تعلم اللغات، فقد تعلم لغة مورس، بنفسه، لما كان سجينا، رأى رموزا علي الحائط، ربط بينها و بين ضربات كان يسمعها من سجين في زنزانة مجاورة.
يجيد العربية مع التركية، حاول تعلم الإنجليزية، بل إنه لا يترك فرصة للتعلم أو التعليم، إلا استفاد منها، اجتمع مرة مع سجين عربي من قبيلة الكعبي، فعلمه خامنئ قواعد العربية.


 

الأسرة:
ولد على خامنئي، في مشهد عام 1939 في عائلة علمية، جده لأمه هاشم الميردامادي النجف آبادي ، أما جده لأبيه حسين خامنئي، تخرج على يديه كثير من علماء تبريز في النجف.


من الطرائف، لما نفي على خامنئي إلى بلدة سكانها من البلوش، كان يلبس مثل لبسهم، حتى يفلت من مطاردة رجال الشاه، فيقول كانت ملامح وجهي، مناسبة للباس البلوشي.

يذكر خامنئي صفة عن أبيه، إذا دخل المسجد، كان يطأطأ رأسه، و لا يتلفت إلى أحد، بعد أن يصلي، يخرج كما دخل، صموتا لا يتحدث كثيرا إلا في المسائل العلمية، يذكر أيضا أنه كان شديدا عليهم، قلت: يقترن عادة، الحدة في الطبع مع قلة التواصل مع الآخرين.

 

عاشوا في فقر شديد، إلى درجة مع محبة والده للكتب، كان يبيعها حتى يجدوا أكلا.

 أما والدته، فهي من مواليد النجف، تعلم منها العربية، كانت تحب شعر حافظ الشيرازي كثيرا.

 

الكتاب:
عانى علي خامنئي من ضعف بصره منذ الصغر، بل إنه يعزو تصوره لأماكن زارها وهو صغير بأنها مظلمة، بسبب ضعف بصره الشديد، وفي لقاء مع معلمين، ذكر لهم، أن ينتبهوا لضعف البصر، فقد يكون عائقا أمام التعلم.

 

ذهب للكتاب صغيرا، كعادة المعلمين الذين لديهم عادات غريبة، كان معلمه، يختم على ألسنة الأطفال من تحت، ويقول من لم يصلي الجمعة غدا، سوف يظهر لي يوم السبت أن الختم محي من لسانه، في بداية السبت كان يفحص ألسنة الأطفال.

دخل الابتدائية بعد الكتاب، لكن لم يكمل في التعليم الرسمي، لأن والده خشي أن يفقد الزي الديني.

 

مع دراسته العلمية التقليدية،  فهو من محبي قراءة الروايات، وقد قرأ كل روايات الإسكندر دوما وابنه.

 

أزمة اللباس:
حرص نظام الشاه على تنفير الناس من الدين من خلال وسائل عدة، من ضمنها السخرية من العمامة، من اللطائف أن خامنئي من عائلة يلبس أفرادها العمامة، مع ذلك وقع تحت تأثير دعاية الشاه، فقد كان مع مجموعة من الأطفال يلعبون، اقترب منهم معمم اسمه الشيخ الفائقي راكبا علي حمار، ردد الأطفال:|
آشيخ ، آشيخ
ليس فيها لفظة نابية، فهي اختصار ل أقا شيخ، و التي تعني السيد الشيخ، لكن صوت الأطفال معا، يجعل منها سخريةو هرب الأطفال إلا على، لما اقترب منهم الفائقي، قال : لماذا أنت أيها السيد!

 

أذكر في سيرة على الطنطاوي، أنه اعتبر من محاسن مجتمعات الخليج، أن لباس المتدينين  فيها، سواء كانوا عواما أو علماء، قريب من لباس بقية أفراد المجتمع، بخلاف بقية المجتمعات، في الشام ومصر، إيران و تركيا، لباس عالم الدين مختلف تماما عن لباس عامة الناس، مما يخلق تنافرا بينهم.

على خامني مثلا، حرم من ميزات التعليم النظامي، من دراسة للعلوم الحديثة، بسبب إصرار والده علي الزي الديني.

 

علاقته بالخميني:
لم يتحدث كثيرا عن الخميني، سوى أن والده كان صديقا له، و هو صديق لمصطفي ابن الخميني، يذكر أنه طلب العلم عنده، لم يكن الخميني يحتك بالتلاميذ، يلقى الدروس ثم يخرج، أيضا لم يكن لديه أي ميول ثورية حتى عام 1962م.
يذكر رؤيا، أنه رأى سنة 1968 الخميني ميتا، وجمع يشيعونه، ثم يقل عدد المشيعين، حتى بقي قرابة الأربعة، ثم نهض الخميني من النعش و قال له بالفارسية:
" تو يوسف ميشي " مرتين، و التي تعني سوف تكون يوسف.

فعلا، دخل السجن، ثم تولى الحكم، مثل يوسف، لكنه هل له وسامته؟!!

 

 حبه للعربية
بدأ تعلق خامنئي بالعربية، من والدته النجفية، ثم استمر مع دراسته علوم العربية كأي رجل دين، كان ينتهز فرصة قدوم العراقيين لزيارة مشهد، ليستمع لأصواتهم وهو يترنمون بالأ شعار بالعربية، أو يتلون القرآن.
يحرص أيضا إذا ذهب للعراق من إيران، أن يمر على أطول مسافة ممكنة بها عرب،

من الطرائف، عندما كان في النجف عام 1957، أرسلته أمه ليشتري رزا، سأل  بائعة: عندكم رز؟ قالت: شنو رز؟ ما عندنا رز!
لما رجع إلى أمه ، قالت له : قل: عندكم تمن بدلا من الرز.

له اهتمام بالشعر العربي، و له تفضيلات، مثلا في المتقدمين يفضل أبي تمام على المتنبي، وفي المعاصرين يفضل الجواهري على غيره.
ذكر  موقفا طريفا الجواهري، لما أنشد قصيدة بحضرة محمد حسين كاشف الغطاء، فقال كاشف الغطاء: أنت متنبي العصر! فقال الجواهري: المتنبي كان شاعر سيف الدولة، وأنا شاعر سيف الدين، يقصد كاشف الغطاء.

 

حرص في السجن، على إجادة العامية العربية، و قد سجن معه مرة أفراد من قبيلة الكعبي، أحدهم يدعى حنش الكعبي، متزوج من ثلاث زوجات، يفكر بالرابعة ، إذا خرج من السجن، فعلا خرج، و تزوج الرابعة!
 لما سأله خامنئي ما معني الحنش، رفض أن يعلمه، لكن قال : شيء نخوف به أعداءنا. تعلم منهم الشعر العامي.

سجن مرة أخرى مع عرب، لما أفرج عنه قبلهم، عملوا
  " هوسه: بالعربي قالوا فيها:
" يا سيد، جدك ويانه" أي معنا.

 


أول ترجماته من العربية إلى الفارسية، كتاب جبران خليل جبران " دمعة وابتسامة" كان هذا في عام 1960، ترجم أيضا: " المستقبل لهذا الدين" " الإسلام ومشكلات الحضارة" لسيد قطب، الجزء الأول من ظلال القرآن، وكتاب: "صلح الإمام الحسن"، لراضي آل ياسين.

 

 التنظيم الحركي:
المتدينون في العالم الإسلامي، سواء كان شيعة أو سنية، شريحتان، الشريحة التقليدية، التي يكون له نشاط فردي في بذل العلم، ونشر الدعوة، المساهمة بالعمل الخيري، الشريحة الأخرى الحركية، التي تفعل ما تفعله الشريحة الأولى، لكن ضمن تراتبية.

يركز التقليديون في المناسبات الدينية، خطب الجمعة ، مواسم العزاء، علي الفضائل الفردية، صلاة، صيام، بينما يركز الحركيون على نقد الحكومة، كل شريحة تتهم الثانية، بأنها تجهل جوهر الإسلام.

 

دخل مرة خامني مسجدا، وجد جماعات متفرقة يصلون، سألهم لماذا؟ قالوا: بعضهم يتبع منهج العلماء التقليديين، وآخرين يتبعون منهج الحركيين، مما يدل على شدة الانقسام بين الشريحتين.

 


ينتمي خامنني للشريحة الثانية، جذبه لها شخصية نواب صفوي، مؤسس حركة فدائيو الإسلام، هو تنظيم عسكري يستهدف اغتيال المعارضين للعمل الإسلامي في إيران، أعدم صفوي عام 1957.
من عادة صفوي، إذا سلم على أحد من أهل البيت، يقول: مرحبا بابن العم!

 

من  الطرائف، خلال تناقلاته الدعوية/ الحركية، ذهب إلي مدينة زاهدان، حل ضيفا علي الشيخ الكفعمي، الذي كان لديه زوجتان، أم هاشم ، أم القاسم، رزق من الأولي 4 أولاد و 3 بنات، ،و من الثانية 4 أولاد و 3 بنات

 

أسست مؤسسات الدولة " قضاء، برلمان، تعليم، صحة، جيش،" في عهد الدولة القاجارية، و بقيت حتى الآن، مما ورثه المجتمع من الدولة القاجارية المعارضة السياسية السلمية، لكن أسلوب الشاه الحاد في التعامل مع المعارضة، حولها إلى معارضة عسكرية، انتهت بخلع ابنه.

 

التحق خامنئي ، بأكثر من تنظيم ديني معارض للشاه، لكن أقواها، التنظيمات المرتبطة بالخميني.

لم يكن الخميني الوحيد في معارضة الشاه، لكنه كان الأشرس في النقد،  الأطول نفسا، فقد بدأ المعارضة من سنة 1963م ، لم يتوقف حتى خلع محمد رضا شاه.

 

.

 

تجربة السجن:
سجن خامنئي كثيرا، أول ما دخل السجن 1962 ، يفرج عنه، ثم يرجع، ينفي إلى مدن داخل إيران.

لكن قسوة نظام الشاه زادت بعد عام 1971م.
  من أساليب الضغط النفسي، حلق اللحية، و قد حلقت عدة مرات، وفي مرة أعفته إدارة السجن من حلق اللحية، فاحتج شيخ آخر حلقت لحيته، لماذا لا تحلق لحية السجين في زنزانة رقم 14!  يقصد خامنئي، ابن آدم، لا يترك الحسد، حتى في السجن.

كان يحظر في بعض السجون، حديث السجناء مع بعض، فتعلم خامني لغة مورس، ليحدث مع السجناء.

سجن معه شيوعي، كان خامني يتلطف معه، حتى يحبب له الإسلام فقال له الشيوعي: لا تتعب نفسك، لا أؤمن بأي دين! قال له مرة الشيوعي: لما أر مثلك في سعة الصدر، رد عليه خامنئ: لم أر مثلك في العناد.


من ضمن أساليب المحققين التي مورست عليه، إذا دخل على المحقق، يكون المحقق يكتب، كأنه يقول له لا اكترث لك، أو يسأله عن اسمه، كأنه لا يعرفه، حتى يوصل له فكرة له أنت مجرد سجين نكرة.

حمل مرة بالطائرة عن طريق السافاك، كان معه دفتر يدون فيه أبيات الشعر، سماه: سفينة الغزل، كان العسكريان يختلسان النظر لما يكتبه، لما اقترب من الوصول، كتبك كنت في صحبة مأمورين، يتمتعان بالأخلاق الحسنة.

سجن مرة، كان العريف يتحدث التركية، فسأله خامني مرة: لو طلب منك السافاك قتلي، هل تقتلني؟ قال: وجدك أقتلك!
أي يقسم بالنبي عليه الصلاة و السلام أنه سيقلته، إذا طلب منه السافاك بذلك!

كان من سجانيه شخص يدعى بابائي، لما انتصرت الثورة، تحول السجان إلى سجين، زاره خامني في السجن، حتى يتجنب بابائي الحديث معه، صلى صلاة كاذبة!
أعدم بابائي فيما بعد.

 

 البكاء على جمال عبدالناصر:
خامني كان معجبا بسيد، بكى لما بلغه خبر وفاته، لكنه أيضا بكى على من أمر إعدامه، جمال عبدالناصر، يبرر خامنني ذلك، بأن لعبدالناصر مواقف جريئة ضد الدول الاستعمارية.

وهذه الإشكاليات العميقة في تيار الممانعة الذي تتزعمه إيران، أن كل من يقف ضد الغرب، فهم معه في خندق واحد،، لذلك وقعوا في مآزق أخلاقية، مثل تمجيد بوتين و عبدالناصر و القذافي.

 

 تعليق أخير:
عززت قراءة السيرة، تصور  أن المظلوم لا يعني دائما أنه خير، خامنئي وقع عليه ظلم بلا شك من الشاه، لكن لما تولى الحكم، كان أسوء منه، فقد انحصر ظلم الشاه على شعب إيران، أما هو، فقط شمل معهم أربعة شعوب عربية.


 

 

 

 



 

 

 

 

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...