السبت، 4 يناير 2025

لماذا نفشل في تحقيق أهدافنا الشخصية؟


 

قبل دخول هذا العام، كتب صديق في حسابه بإكس: " أهدافي لسنة ٢٠٢٥: تأليف ١٠ كتب، السفر ل ١٣ دولة، الحصول على ١٨ مليون" وعلقت لديه: بقي من قائمة الأهداف: الجلوس مع العظيم حمود الباهلي!

 

هذه التغريدة واحدة من مئات التغريدات التي تسخر من التخطيط السنوي، فقد تذمر كثيرون في نهاية السنة الماضية من فشلهم في تحقيق أهدافهم، فقد كتب صديق: كل أهدافي كانت تسلل! وكتب آخر: سوف أنقل أهداف لسنة ٢٠٢٤ إلى سنة ٢٠٢٥، لأني لم أحقق أيا منها.

لماذا يفشل موظف معتاد على تحقيق الأهداف المهنية، في تحقيق أهدافه الشخصية، هل هو كسل؟ أم ضعف في الالتزام؟ لا أظن، فلدي تحليل آخر.

كتب جاشوا رثمان في صحيفة النيويوكر مقالا بعنوان: فن اتخاذ القرار، استهل المقال بذكر تحير تشارلز دارون مع معضلة هل يتزوج أم لا؟ ثم عمل قائمة بمحاسن الزواج ومساوئه، وغلبت محاسنه فتزوج، لكن جاشوا يرى أن أفصل طريقة لاتخاذ القرار، أن تتخيل الصورة المستقبلية لك، وتتأمل في الخيار الذي أمامك، هل يقربك لحلمك أم لا.
مثلا في التخطيط للمسار المهني، إذا أردت أن تكون موظفا لديه خبرة في اتخاذ القرار بصلاحيات واسعة، فالأفضل اختيار العمل بشركات صغيرة، حتى ولو كانت رواتبها قليلة، لكن إذا أردت أن يكون لديك خبرة عميقة في مجال مهني محدد، فالأفضل اختيار العمل بشركات كبرى، حتى لو كان العمل يتطلب الكثير من الجهد في انجاز مهام روتينية.


لذلك أخمن أن الفشل في تحقيق الأهداف الشخصية، يرجع لأنه لا يساعد تحققيها على رسم الصورة التي تحلم بها، فعلى سبيل المثال، فشلت في الالتزام بأي نظام حمية غذائي والمحافظة على الرياضة، لأني فعليا لا تشدني كثيرا أن يكون جسمي رياضيا، لا بأس إذا حصلت عليه، لن أرفضه بالتأكيد! لكنه ليس رغبة أكيدة، لذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من طبق الفول الصباحي، أو صحن البطاطس المقلية مع قارورة البيبسي الفوارة.

لكن بالمقابل، أحب أن أعرف نفسي بأني كاتب، وأطمح لأن أكتب رواية، وقد جعلت لنفسي هدفا، أن اكتب ٤٠ قصة قصيرة، وأقرأ ١٠٠ رواية قبل البدء بكتابة روايتي، لذلك لم أجد صعوبة في الالتزام بأهدافي، فقد كتبت حتى الآن ست قصص، وقرأت ٢٤ رواية، مع العلم أني كسول، وليس لدي دافع ذاتي للعمل، ولابد أن يضع أحدهم المسدس على رأسي حتى انجز العمل، كما أنني فوضوي، دخلت قبل فترة لغرفتي حتى أرتبها، وأمضيت فيها ثلاث ساعات، خرجت منها وهي أشد فوضوية!

 

فالموظف يعرف من خلال خبرته الوظيفية، أنه إذا حدد هدفا، فلابد أن يكون قابلا للإنجاز، يمكن قياسه، محددًا في إطار زمني، لكنه معتاد على أهداف توضع لتلبية رؤية الشركة، وليس أهدافا شخصية.

وإحدى معضلات التواصل الاجتماعي، أن كثرة الحديث عن تحقيق الأهداف الشخصية، وحجم التفاعل العالي معها، قد تجعل البعض يتبنى أهداف غيره! فقد شكى صديق أنه يشتري كتبًا من معرض الكتاب، مع أنه لم يبدأ بقراءة كتب التي اشتراها من معرض الكتاب السنة الماضي!
= ممكن أن تخبرني عن الكتب التي اشتريها؟
= تردد قليلا، ثم افتح حسابه في إكس، وأراني صورة التي اشتراها.
= لماذا اشتريتها؟
= هذه الرواية مدحها كثير، و هذا الكتاب ممتاز في تاريخ العراق، وهذا ...

= كم كلفتك؟
= من دون إحراج!
= لا تخجل، أعتبرني " الكوتش" حقك
= ١٣٠٠ ريال
= ولم تنه قراءة أي كتاب.
= نعم بتردد.
= الله يخلف عليك
= بس على الأقل حصلت ٤٧ لايك! 
= برافو!

 

فأخبرته: لديك صورة مستقبلية ضبابية عن مستقبلك الثقافي، تريد أن تكون مثقفا، لكنها ليست واضحة بحيث تحفزك للقراءة، ولابد حتى لا تقتصر  فائدتك من شراء الكتب، على الحصول على تفاعل رقمي! أن تتخيل نفسك بعد خمس سنوات، هل تريد أن تكون ناقدا للماركسية، مؤرخا لمصر؟ مختصا في علم الكلام؟ لابد أن تختار مجالا معرفيا محددا، يستهويك، ثم تضع لك أهدافا مرحلية للوصول إلى الصورة التي تحلم بها.

نسمع كثيرا تعبيرات مثل : أعشق التصميم، أنا مجنون بالثقافة، أنا أموت في السفر، وهذه تعبيرات مراهقين، ويفترض أن يقتصر استخدامها على مغازلة الجنس اللطيف، وهي من بقايا لغوية من التصور السابق، أن الإنسان لابد أن يكون لديه شغف، يكرس كل حياته له، وهذا وهم و لست أقصده هنا، ما قصدته أن تضع أهدافا شخصية، تجعلك تحصل على نسخة أفضل منك، كما في التعبير المستورد، أخبرني صديق أنه يحب تصاميم المباني، لكن والده أجبره على اختيار تخصص هندسة حاسب و العمل في شركة نفطية، لذلك كان ينقطع كثيرا عن متابعة الجديد في هذا العلم، حتى حدد أهدافًا شخصية، منها متابعة سبعة حسابات في التيك توك، تتحدث عن تصميم المباني، وصار يقضي فيها أسبوعا الساعات، اكتسب من خلالها خبرة فنية.

 

 يذكر جاشوا في نفس مقالته، أنه إذا كانت الاختيارات مبنية من أجل الوصول إلى الصورة التي تتخيلها لذاتك، حتى لو لم تتحقق الصورة كما تخيلتها بالضبط، فعلى الأقل تكون قريبًا منها، وهذه ميزة اختيار أهداف تعكس اهتمامات شخصية، فأنا مثلا حتى لو فشلت في أن أكون روائياً، فعلى الأقل سيكون لدى معرفة في فن الرواية، بعد السير على الخطة التي وضعتها.

 

 

 

 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...