بعض عناوين الكتب تحظى برواج كبير، إلى درجة أنها تتداول في سياقات مختلفة، من دون أن يصحب ذلك قراءة لمحتوى الكتاب، مثل «أحببت وغدًا»، و«الأسود يليق بك».
وعنوان «نـظام التفاهة» لد. آلان دونو من عناوين الكتب التي حظيت بانتشار كبير، ويُستحضر في كل مناسبة، حين يرى المعلقون في الفضاء الرقمي تافهًا يحظى بامتيازات فقط لأنه مشهور وله متابعون. ويتصور البعض وجود مؤامرة كونية، يُصدّر من خلالها التافهون لتولي مراكز التأثير في المجتمع، وأنه مهما قيل (لا تجعلوا من الحمقى مشاهير) فيصبح الحمقى مشاهيرًا وموجهين، لأننا نعيش في (نظام التفاهة).
لن أناقش دقة هذا التفسير التآمري، لكن سوف أناقش فكرة أن محتوى الكتاب لا تتعلق بمشاهير وسائل التواصل (أقسم بالله العظيم أن المؤلف لم يذكر مرة واحدة: توتير، فيس بوك، سناب شات، انستجرام) مع أني موقن أن معظم المشاهير تافهون! لكن أرى من الأمانة العلمية ألا تنسب فكرة لكتاب لم يدعيها.
ما فكرة الكتاب؟
في كل مجال (سياسي، اجتماعي، ديني- تجاري…) توجد ثلاث شرائح يُمكن تقسيمها بحسب الكفاءة: المتدنية، المتوسطة، وعالية الجودة. وفي معظم فترات التاريخ، كانت الطبقة عالية الجودة هي من تُهيمن على المجال، لكن يرى المؤلف أن الوضع تغير بعد انتشار تقسيم العمل، الذي ساهم في بروز الطبقة المتوسطة، “فإجادة كل مهمة لجعلها نافعة لمنتج نهائي، لا أحد يعرف ماهو، هي مسألة قد ساهمت في ظهور خبراء فارغين، يهرفون بخطب جيدة التوقيت ومتضمنة لشذرات من الحقيقة”.
فما يقصده بنظام التفاهة، أنه نظام صمم لأجل أن يترقى فيه بسهولة الموظف متوسط الجودة، فالموظف البليد، غير الكفؤ لا يترقى طبعًا، و الموظف المتميز، الذي يطرح أفكارًا جديدة، ويعاند المدير عندما يطلب منه تنفيذ مهام غير مقتنع بها، يجمد وظيفيًا، وقد يترك العمل، لذلك يترقى الموظف الذي لديه قدر من الالتزام والجدية و(عدم معارضة المدير)، وقد ذكر الوزير النعيمي في سيرته الماتعة «من البادية إلى النفط»، أن سر بروزه وظيفيًا هو أنه “يبيض وجه” مدرائه، و من ترجمات كتب جرير «لن تنتصر على مديرك في العمل»، فلا بد أن تتكيف مع الوضع السائد وتعمل بجد، وتنقذ كلام مديرك بالضبط، حتى تترقى.
لو أخذنا مثالًا يقرب مفهوم نظام متوسطي الكفاءة، لقلنا فرضا، يوجد أستاذ جامعي في قسم التاريخ الحديث بإحدى الجامعات ، يجيد أكثر من لغة (عربية- برتغالية- انجليزية)، يكتب أبحاثًا رصينة في مجلات محكمة، إذا طلب منه مديره أن يشارك في فعالية استقبال الطلاب المستجدين، يجيبه بـ”أبشر”، مع أنه على المستوى الشخصي لا يحبذ الأنشطة الجماعية، لو تتناقش معه عن تاريخ إيطاليا أو اليمن، لا تجده متحمساً، ويرد عليك بأدب: “هذا خارج اهتماماتي”، لكنه محبوب من طلابه الذين يدرسون معه، فهو خبير في في العلاقات العمانية – البرتغالية في القرن السابع عشر ميلادي، فلا يمكن أن تعتبر هذا الأستاذ الجامعي ضعيفًا، لكنه في نفس الوقت، ليس عالمًا أو مفكرًا، و إنما شخص يؤدي دورًا في مؤسسة جامعية، وهذا الدور مناسب له، ولمديره وطلابه، وحسب تعبير المؤلف، يمارس دوره بإتقان في (اللعبة) المتفق عليها.
يرى المؤلف أن انتشار نظام متوسطي المهارة ظهر تدرجيًا، بعد الحرب العالمية الثانية، ويذكر أيضًا أن الباحثين: لورنس بيتر، رومند هال، قد طرحا (مبدأ بيتر) لشرح هذا النظام وهو: “أن العمليات النظامية تساعد الموظفين من فئة الكفاءة الاعتيادية على الترقي حتى يصلوا إلى شغل مواقع السلطة”.
يظهر لي أن أسلوب الان دونو فيه تحذلق وادعاء بالعمق، مما صعب من قراءة فكرة الكتاب، فضلا عن فهمه! لكنه لم يكن الوحيد الذي تطرق لنفس المفهوم، فجلال أمين في كتابه «عصر الجماهير الغفيرة» يرى أن الطبقة المتوسطة قد زاد وزنها في كل أنحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية، سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، لذلك أزاحوا تدرجيا النخبة والصفوة، لكنه في الكتاب ركز على مصر بالذات.
وبروز الطبقة الوسطى، أضعف من جودة المنتجات الفكرية والمادية التي كانت توجه حصرًا للنخبة، فالكم يتغلب على الكيف دائما، كما هو معروف.
لكن نظام متوسطي الكفاءة، ليس سيئًا كما صوره المؤلف، فاستمتاعانا بالكثير من جوانب الحياة، بسبب انتشار هذا النمط، فلولا الله ثم نظام متوسطى الكفاءة وعصر الجماهير الغفيرة، لبقيت مزارعًا في قرية تدعى (الأثلة) شمال نجد!
وجاذبية واستمرارية هذا النظام، أنه منح الفرصة لشريحة أكبر.
من أين أتى سوء فهم الكتاب؟
في المقدمة الطويلة جدا للمترجمة، ذكرت: “ما يجعل من كثير من تافهي مشاهير السوشل ميديا والفاشنيستا يظهرون لنا بمظهر للنجاح هو أمر يسأل عنه المجتمع نفسه؟ من ينكر الآن أن المشاهير والفاشنستات قد حققوا النجاح فعلا، وفقا لمعيار المال، وهو المعيار الوحيد الذي وضعه مجتمعنا نصب عينيه”.
هذا المقطع من المقدمة، انتشر كثيرًا مع صورة الكتاب، والعبارات هذه من (عنديات) المترجمة، فلم يذكر المؤلف أبدًا، السوشال ميديا في الكتاب، وللأسف، كل من تداولها لم يقرأ الكتاب، وإنما اكتفى بهذا النقل من مقدمة المترجمة، لا المؤلف.
خطورة العنعنة الثقافية
إذا أردنا أن نطبق مفهوم نظام متوسطي الكفاءة على الحديث عن الكتب، فنجد شريحة الذين يكتفون بتصوير أغلفة الكتب، ويقولون عنها ممتازة (وجدت العديد منهم في معرض الكتاب)، وتوجد شريحة القراء النهمين، الذين لا يتحدثون عن قراءاتهم ويكتفون بكتابة البحوث وتأليف الكتب. وتوجد شريحة الذين يشاركون قراءاتهم مع الآخرين، ويتفاعلون بحماس، بعض كتاباتهم تعكس عمقًا في القراءة وبعضها مجرد انطباع من أول الصفحات، وبعضها (لطش) من مراجعات الآخرين، وهنا تكمن خطورة أخذ تصورات الكتب والأفكار عنهم، فالوسيط لا يكون دائما أهلًا للثقة.
انتشرت قبل سنوات، معلومة أن هيلاري كلينتون في كتابها «Hard Choices» قد ذكرت إغلاق الأمير سعود الفيصل السماعة في وجهها، لكن الصحيح أنها لم تكتب ذلك، بل كانت معجبة به، لكن ذكرت أن الشيخ عبد الله بن زايد لما تحدث معها، توقف وظنت أن الاتصال انقطع، ثم عاود الحديث معها.
لذلك حتى لا يكون (شكلك وحش) كما يقول المصريون، لا تتحدث أبدًا عن معلومة أو فكرة كتاب، ما لم تقرأها بنفسك، ولا تغتر بكثرة نسبتها إلى كتاب، حتى لو تداولها مثقفون وكتاب كبار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق