الأربعاء، 14 يناير 2026

متى نتوقف عن تكرار التجارب الفاشلة؟ نشرت في منصة نديم

 عند مراجعتي لقوائم أهداف سنة ٢٠٢٥، والتي للأسف فشلت في تحقيق معظمها! لم أكترث لذلك، باستثناء هدف واحد، وضعته سنة ٢٠١٨، وكل سنة أفشل في تحقيقه، فمتى نتوقف عند تكرار التجارب الفاشلة؟

في أدبيات التحفيز، ينظر للفشل باعتباره شيئًا إيجابيًا، فهو يعكس أولًا رغبة في المحاولة، فإذا لم تدخل أصلًا في سباق الماراثون، فبالتأكيد لن يُعد عدم فوزك بالمركز الأول خسارة! كما يُنظر للفشل على أنه جزء من عملية التعلم، فلا يمكن أن تتعلم من دون أن تمر بمحاولات فاشلة، كما أني على معرفة بنصيحة خبراء التحفيز ألا تشارك علانية الهدف(وهي نصيحة تتفق مع ثقافة القصمان المتكتمة) لأن بإعلانك للهدف تخدر ذاتك، وتظن أنت ومن حولك، أنك قريب من تحقيق الهدف، وفي الواقع أنت بعيد عنه.

كل ذلك أعيه جيدًا، لكن تساؤلي، هل يوجد معايير نعرف من خلالها أنه يجب التوقف عن تكرار المحاولات الفاشلة؟، مثلا هل مدة خمس سنوات، كافية للتحقق من فشل المحاولة؟ هل إذا وصل عدد التجارب الفاشلة إلى عشرين محاولة، يكفي للتوقف؟
أليس من الأفضل أن يوجه الشخص الجهد الذي بذله في تحقيق هدف صعب، إلى هدف أسهل منه؟ يُذكر أن رجلًا، جاء إلى الخليل بن أحمد، يريد تعلم العروض، وبعدما أقام لديه عدة أيام، لاحظ الخليل أن الرجل لا يمتلك أذنًا موسيقية وهي شرط لإجادة علم العروض، فطلب منه الخليل أن يُقسّم هذا البيت عروضيًا:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
ففهم الرجل رسالة الخليل وغادر.
ويذكر الناقد عبدالله بن إبراهيم في سيرته  الماتعة أمواج، أنه كان يكتب في القصة، مع مجموعة من الأصدقاء، ويجتمعون في جلسة أسبوعية يوم الثلاثاء، وذات ليلة صارحهم أحدهم: بأنه لا ينجح مسار أي واحد منهم في كتابة القصة، ثم أخبر عبد الله إبراهيم، أن نقاشاته الشفهية، تعكس ملكة جيدة في النقد، وقد يكون هذا مساره الأنسب له، من كتابة القصة، لم يكن سهلا عليه تقبل هذه الرأي، لكنه فعلا اتجه إلى النقد، وصار علمًا بارزًا في مجال النقد الأدبي على مستوى الوطن العربي. 

أما استسلام أجا كريتسي عن فتى أحلامها فهي قصة حزينة، فقد طمحت أن تتزوج شابًا أعلى من طبقتها الاجتماعية، وذهبت مع أمها إلى مصر لمدة ثلاثة أشهر، تردد على الحفلات الراقصة التي تقام في مصر، من أجل الارتباط بشاب وفق تخطيطها، ثم تزوجت بآرتشي كريتسي(ومنه أخذت اسمه الشهر كريستي)، وهو طيار وسيم، وبعد أن أنجبت منه ابنتها الوحيدة روساليند، وأصبحت روائية معروفة، تفاجأت بعلاقته مع شابة تدعى نانسي نيل، (والتي تزوجها فيما بعد) وحاولت أجاثا أن تحافظ على الزواج، بكل الوسائل العاطفية والعقلية، وفي محاولتها الأخيرة، اختفت في ظروف غامضة، لمدة عشرة أيام، وركنت سيارتها بعد العبث بها، وسكنت في فندق بهوية مزورة، وأحدث غيابها مع العبث بالسيارة الرأي العام في بريطانيا، رغبة منه في حل احتفاء كاتبته البوليسية الأولى، واتجهت الأنظار إلى زوجها آرتشي، الذي يجد لم مبررًا لبعده عن سبب اختفائها، إلا الاعتراف أنه أمضى ليلة اختفاء أجاثا مع عشيقته، وكان هذا هدفها من البداية، أن تضعه أمام ضغط الرأي العام، كرجل لا يلتزم بشرف الزواج، لكن لم يمنعه هذا من طلب الطلاق، ثم تزوجت بعد ذلك عالم آثار، الذي لم يمتلك أي مزية، سوى أنه أصغر منها عمرًا، ويُفهم من كتاب لوسي ورسلي (امرأة مرواغة للغاية) الذي تناول باستقصاء كبير حياتها، أنه زواج سعيد، فهل من الأفضل أن نطوي صفحة الهدف الذي فشلنا به، وننتقل إلى أهداف أخرى؟

يورد ديورانت في مقدمة كتابه “قصة الحضارة” مقولة للفيلسوف والمؤرخ هيجل “نتعلم من التاريخ، أن البشر لا يتعلمون من التاريخ!” ويؤيد هذا الحكم تجربة نفسية، فقد طُلب من مجموعة من المشاركين، الإجابة على أسئلة تتضمن جوابين: صح أم لا، مثلا هل هذا الرمز في اللغة الهيروغليفية يعني القط أم النمر؟ ولما أعيدت عليهم التجربة مرة أخرى، بنفس الأسئلة، لم تتحسن إجاباتهم الخاطئة! في إشارة إلى أن البشر بالعموم، لا يتعلمون من أخطائهم، وأن تكرار المحاولات الفاشلة لأنه مرتبط بتركيبتنا النفسية والعقلية.

 يُذكر أن ثعلبًا حاول الحصول على عنب، فلما فشل، قال: أنت حامض فلا أريدك! وهذه ليس مجرد قصة تروى للأطفال، فتذكر دراسة علمية، أن الناس بالعموم، تقلل من قيمة الأهداف التي تفشل في تحقيقها، فهل يكون الأفضل أن نزدري الأهداف الصعبة، ونعلي من قيمة أهداف أخرى سهلة؟، خصوصًا أن الحياة المعاصرة سهلت ونوعت الإنجازات في حياتنا، فقد يكون إنجازك أن تكون الأفضل في دائرة أصدقائك، بمعرفة روايات ” إيزابيل الليندي” أو موظف العام في شركة عدد موظفيها ٧، لا أحد يكترث، المهم أنك قد حققت شيئًا!

من حكم العرب: “اليأس إحدى الراحتين”، وأنا على قناعة تامة بأن الأهداف البديلة، خيار واقعي، حتى لو بدا في نظرنا غير جذاب.

خلال إعدادي للمقال، وقعت على نصيحة للروائي صمويل بيكيت عملية جدًا، تقول النصيحة:” أفشل مرة، أفشل أفضل” وتعني أنه لا بأس من تكرر المحاولات الفاشلة، شرط أن يتحسن أداؤك مع كل محاولة تكرار فاشلة، فإذا لم تستطع الوصول إلى هدفك، فعلى الأقل طورت مهاراتك، أو حسب تعبير كتب التحفيز: حصلت على نسخة أفضل من ذاتك!
لذلك نقلت هدفي إلى قوائم أهداف سنة 2026.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...