قبل أسبوع من بدء معرض الكتاب في الرياض، جمعتني جلسة مع أصدقاء من المهتمين بالقراءة ومتابعة أخبار الكتب (والحش الثقافي). قال أحدهم متذمرًا إنه منذ أكثر من ثلاثة أشهر لم يكمل كتابا واحدا، إذ يتصفحه قليلا ثم يتوقف، مهما تكن نوعية محتوى الكتاب، أو الوقت الذي يخصصه للقراءة.
وانطلقت النصائح من كل صوب:
“جرب قراءة كتب خفيفة، ١٠٠ صفحة مثلا”.
” تحد عقلك، اقرأ كتابا يستفزك”.
“ارجع للروايات، فهي ممتعة”.
“اربط اكمال قراءة الكتاب، بمكافأة تحبها”.
“انضم إلى مجموعة قرائية”.
“ألزم نفسك في مواقع التواصل الاجتماعي بإعلان أنك ستنهي الكتاب خلال أسبوع”.
هكذا انهالت عليه مقترحات (الأصدقاء/الخبراء)، وقد لاحظت أنها تحمل الطابع الأمريكي في التحفيز، وتحقيق الأهداف، ولدي تحفظ كبير على الأمريكان، لكن ليس هذا وقته!
غير أني كنت أرى أن دافع القراءة الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. فالواحد يبحث في قراءة كتاب عن إجابة لتساؤل لديه، مثلا شخص يتابع الحرب (الروسية/ الأوكرانية) قد يتساءل، من هو بوتين؟ كيف وصل للسلطة؟ ثم يبحث عن كتاب، يكشف له شخصية بوتين، حتى لو كان الكتاب الذي وجده ليس جيدا، فإنه سوف يكمله، رغبة في الوصول إلى إجابات لديه. شخص آخر يتابع أخبار الدروز في السويداء، فيبحث عن كتب تتحدث عن تاريخ الدروز ومعتقداتهم، لماذا اختلف مسارهم السياسي في لبنان وفلسطين وسوريا.
قرأت قبل فترة كتاب My life in Full: family, work and future لإندرا نويي، التي تولت منصب المدير التنفيذي لشركة البيبسي، وأنا من محبي هذه الشركة، وأفضل منتجاتها على منتجات شركة كوكاكولا (يوافقني في هذا الرأي أصحاب الذوق الرفيع في المشروبات)، لذلك بحثت في الكتاب، عن الطريقة التي أوصلت هندية مهاجرة إلى هذا المنصب.
لذلك أنا على يقين، بأنه لا يوجد قارئ نهم، يلتهم أي كتاب، مهما كان محتواه، حتى لو كان كتيب كيفية استخدام غسالة الملابس! هذا تصور ساذج، لكن يوجد (القارئ الجاد) وأعني به الذي ينهي الكتاب الذي بدأه، وهو قارئ بالضرورة له اهتمام معرفي محدد، ويجد في الكتب التي يقرأها، متعة معرفية، لأنها تتعاطى مع إشكالات تؤرقه.
وقد لاحظت، (وهذه مجرد ملاحظة شخصية، وليست مبنية على دراسة أو بحث ميداني) أن من يجد مللا في القراءة، مع أنه يحب هذا النشاط ويقدره، بسبب أنه يقرأ كتبًا متنوعة، ليس بينهما أي رباط، كتب قد تكون ثرية معرفيا في مجالها، لكنها لا تجيب عن تساؤلات لديه.
وقبل بدء معارض الكتاب، تنتشر كثيرًا توصيات الكتب، وأنا أعارض بشدة هذه التوصيات.
أولا: لأنها تعمل مثل كرة ثلج، تجد مثلا كتابا، يحصل على تسويق جيد من بعض من يصنفون على أنهم (مؤثرين)، ويحظى بكميات شراء عالية، ثم يتحول إلى أكثر الكتب مبيعا في المعرض، أو على الأقل الأعلى مبيعا من ضمن الكتب التي نشرتها الدار، ثم يتبين فيما بعد بأن عددًا ممن اشتروه، اعترفوا “بأن الكتاب أقل من عادي، ولا يستحق عناء مزاحمة الآخرين في المعرض” وهذا حصل كثيرا، ومن يعرف المشهد الثقافي السعودي جيدا، يدرك ما أقول.
ثانيا: أن كل واحد منا له تكوينه الثقافي الخاص، وهو تكوين تشكل من عوامل كثيرة، فما يعجب أصدقائي ورموزي الثقافية، لا يعني بالضرورة أن يعجبني، فالقراءة فعل خاص، قائم على ذوق شخصي، بل إنه قد يعجبني كتاب هذه السنة، قد لا يعجني نفسه بعد خمس سنوات، أو قبل سنتين، فلماذا تطمس ذوقك القرائي الخاص، وتسلم عقلك، لمن يختار لك الأفضل ما في المعرض؟
نسمع كثيرا، من يقول: “لن أحضر معرض الكتاب الحالي، لأني لم أقرأ الكتب التي اشتريتها من معرض الكتاب السنة الماضية!” وأنا أخمن أن سبب بقائها مركونة في مكتبته أنه اعتمد في شرائها على توصيات الآخرين. بل إنني أعتبر: “توصيات الكتب للمعرض” و” الكتب الأكثر مبيعا” من أسوأ ما ابتلي به المشهد الثقافي مؤخرا.
ربما يظن البعض أنه في حاجة لقوائم التوصيات، لأن المعرض به أكثر من ٤٠٠ دار نشر، ولا يستطيع أن يمر عليها جميعا، لذلك أقول له: لست بحاجة إلى ذلك، بل عليك أن تتوجه لدور النشر التي تنشر كتبا في مجال اهتماماتك، فيوجد دور نشر مهتمة بالأدب العربي، وأخرى مهتمة بالفكر الإسلامي، وثالثة بالفلسفة اليونانية، رابعة الفلسفة الألمانية، وخامسة بتنمية الذات، وسادسة بالعلاقات الاجتماعية، والتميز الوظيفي، والسير الذاتية، والروايات العربية، والروايات مترجمة، والأدب الفنتازي (بالمناسبة لا أنصح به لمن هو فوق العشرين).
لما عمل غازي القصيبي رحمه الله سفيرا، كان يُهدى له الكثير من الكتب (هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أريد أن أكون وزيرا) فاحتار كيف يعرف هذا الكتاب مناسب له أم لا؟ ثم توصل إلى طريقة عملية ذكرها في كتابه الخليج يتحدث شعرا ونثرا، و(أنا أوصي بهذا الكتاب!) وهي أنه يعطي الكتاب ١٠ دقائق فقط، فإذا نجح في شد انتباهه، أكمل قراءته أو يضعه على الرف!
وهذه نصيحتي لكل من يود شراء كتاب، لا تستعجل في شرائه، ولا تستمع لمن يقول: “أحذرك من هذا الكتاب” لكن إذا اشتريته، فكن قارئا جادا وأنهه بسرعة.
بالطبع، لن تكون القراءة ممتعة كما تصورها الحسابات التي تضع صورة كتاب بجانب كوب قهوة (لا أدري ما سبب العنصرية تجاه كوب الشاي) فهذه الحسابات، برأيي المتواضع كما يقول الإنجليز، لها دور سلبي في تراكم الكتب الغير مقروءة في رفوف مكتباتنا، لأن الواحد يشتري الكتاب بناء على صورة انستقرام، متصورا، أنه سوف يحصل على لحظات سعيدة، كما يتوهمها في صورة على انستقرام.
القراءة تتطلب جهدا ذهنيا، وهي عملية شائقة، إلا إذا كنت تقرأ نصا خفيفا مثل الروايات والسير الذاتية، ولا يمكن أن تصل متعتها لمثل مستوى مشاهدة مقاطع التيك توك، مهما فعلت من وسائل وأساليب لتحبيب القراءة لديك، لكن تظل أهم خطوة للتغلب على الملل، هي أن تختار كتابًا يجيب عن تساؤل واضح لديك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق