الجمعة، 4 فبراير 2022

صابونة- قصة قصيرة


 

 


 

 

(1)

 

يدخل سعود متجر القهوة طالباً كوبه المعتاد، كوب قهوة أمريكية.

لما مد يده لأخذ الكوب لاحظ طول أظفار معد الكوب مع تجمع للأوساخ تحتها!

"بداية غير مشجعة لهذا اليوم "هكذا علق.

امتعض، فكر أن يرد الكوب ويسترد المال، لكن منعه الخجل.

خرج من المتجر والكوب في يده، رائحة القهوة لها مفعول سحري في تحسين مزاجه، لم تطل فترة شم رائحة القهوة، فتذكر منظر الاظفار دفعه إلى رمي الكوب في أقرب صندوق القمامة.

مر من أمام متجر يعرض شطائر لذيذة، شده منظرها، صرفه عنها الذباب الذي يتجول بحرية فوقها.

اكتسب في العمل لقب صابونة، لرشاقته ونظافته.

 

 

 

 

(2)

 

 

يستدعي المديرُ الموظفين لعقد اجتماع، فقد صدر قرارٌ من الحكومة بالعمل عن بُعد للموظفين بسبب جائحة كورونا.

تميزُ صابونة بسمعة جيدة في النظافة الشخصية رشحه في نظر المدير لتقديم عرض مناسب أمام الزملاء في مجال النظافة الصحية.

شق صابونة طريقه بين الموظفين.

تظهر على بعضهم علامة الرضا، فيما يبتسم بعضهم تعجباً، لكن الأغلبية كانت ممتعضة.

همس أحدهم: " هذا فرصتك يا صابونة!!"
علق ثاني:" إنه زمن الكمامات والقفازات وصابونة!!"

تلفظ ثالث بشتائم للشركة وكورونا التي جعلت "صابونة" يعطيهم توجيهات!

 

(3)

يرجع الموظفون إلى مقر الشركة للعمل بعد مضي شهرين على العمل عن بعد، زادت أوزان كثير منهم ولم يتمكن البعض من قص شعورهم لازدحام محلات الحلاقة.
 لم يكن صابونة من ضمن الموظفين الموجودين
" هل أعجبه العمل في البيت" همس أحد الموظفين؟

رد عليه آخر " لا .. إنه في المستشفى فقد تناول علبة تونة ولم ينتبه لتاريخ انتهاء صلاحيتها" 
علق ثالث بسخرية: “من مأمنه يُؤتي صابونة"

غمزة- قصة قصيرة






 

(1)

توقف عند بوابة رقم 7 منتظراً الصعود إلى الطائرة، أدار بصره في الجالسين، تساءل أي منهم سيكون مرافقه في الرحلة؟

جلس في أقرب كرسي، تمتم " يا رب اجعل حظي هذه المرة سعيدا"

كل الرحلات التي قطاعها بالطائرة في حياته، يجلس بجانبه تمساح.

تمنى لو مرة في حياته أن تجلس بجانبه قطة.

 

(2)

نهض المسافرون عند إعلان فتح البوابة، لمح بينهم فتاة جميلة!  التقت عيناه بعيني الفتاة وغمزت له! لم يصدق ما حدث! أشاح وجهه عنها خجلاً ثم عاود النظر إليها، لتغمز له من جديد!


(3)

 

 

 جلس بجانبه شاب أو تمساح صغير حسب تعبيره، لم يتضايق فقد انشغل ذهنه بصورة الفتاة الوضيئة التي غمزت له.

 

هل يمكن أن غمز الفتاة له مجرد تلاعب به؟

تمتم: "عند هبوط الطائرة، سوف يتبين ذلك"

 

(4)

 

هبطت الطائرة وتتابع المسافرون على الخروج منها.

تبعها من بعيد، على مقربة من أحد المقاهي التقت عيناها بعينه لتغمز له.

"قطعت غمزتها قول كل خطيب"، هذا ما قاله لنفسه، وتبعها مصمماً أن يدعوها لكوب قهوة. لكن تجاوزت الفتاة  المقهى لتدخل في الصيدلية،

تبعها ودخل بعدها الصيدلية، ليخرج بعد قليل يجر أذيال الخيبة، فقد سمعها تقول للصيدلي: "عيني اليمنى تؤلمني وترمش كثيراً، أحتاج دواء لها".


الأحد، 30 يناير 2022

في مدح الملل!

 





 

كتب الفيلسوفُ البريطاني بيرتراند راسل كتاباً بعنوان “في مدح الكسل” مجادلاً أنه من الخطأ ارهاق الناس بأعمال مضنية، سيراً على خطاه اكتب هذا المقال مجادلاً أن الملل ليس بالسوء الذي يتصوره الناس.

الملل .. الوحش

أصبح إدامةُ النظر لشاشة الجوال سلوكاً معتاداً في حياتنا اليومية، نبحث في شاشة الجوال عما يُذهب الملل من لحظتنا الحاضرة، قد تكون بمشاهدة فيديوهات لأشخاص لا نحبهم في السناب شات، أو نقرأ في هاشتاق بتوتير عن قضية لا تهمنا بتاتا.

ليس بمستغرب أن يدعي مدير في شركة  أثناء اجتماع عمل أنه يريد دورة المياه، لكنه في الواقع يبحث هناك في شاشة جواله عن ما يذهب الملل من نفسه من حديث العمل الجاف(برأيي لا يوجد شيء أكثر جفافاً من جداول أكسل)، قد تُدعى أمٌ لحضور حفل تكريم ابنتها في المدرسة، عندما تبدأُ  فقرات الاحتفال، تدس يدها في محفظتها باحثة عن الجوال، تريد أن تطرد الملل بتصفح تطبيق ما، الشاب الذي يقف أمامه شخصان في  مقهى منتظرين الحصول على طلبهما، لا يستطيع أن يمنع يده من تصفح الجوال، فهو لا يطيق الانتظار خمس دقائق، لأنها ملل!
تجتمع مع فتاة مع صديقتها التي لم ترها منذ أشهر في مطعم، ما أن تنشغل الفتاةُ بتصفح قائمة الطعام حتى تتوجه الثانيةُ نحو جوالها تتصفح الانترنت، فهي مثلنا لا تستطيع أن تتحمل دقائق من دون الاتصال بالإنترنت.

هل الملل لهذه الدرجة من الوحشية بحيث لا نستطيع مقاومته؟  هل من الصحي أن يظل الواحد منا متصلاً دائما بما يُرفه عنه؟

من أين يأتي الملل؟

(الممل/ السأم/ الرتابة) معاني تقترب من بعضها، تتعلق بفتور النفس من تكرار ممارسة شيء ما، فنرفه عن أنفسنا بكسر الروتين وتجربة شيء جديد.

كان الملوكُ في الماضي يملون من قصورهم الفارهة فيتوجهون إلى البرية للتنزه، يطرد المسافرون العرب السأم عن أنفسهم خلال الرحلات الطويلة في الصحراء بالحُداء، في الزمن الحاضر، يقضي سُكان البلدان الباردة إجازاتهم الصيفية في البلدان الحارة فيما يقضي أهل البلدان الحارة إجازتهم في البلدان الباردة.

كلنا نفعل نفس السلوك، نطرد الملل من حياتنا بتجربة شيء جديد حتى لو كان هذا الجديدُ غير مفيد أو ممتع، فالهدف هو كسر الروتين.

كسرُ الروتين مهم جداً للصحة النفسية، لأنه إذا تعرض الواحد لفترة طويلة من الملل فقد يُصاب بالاكتئاب.

لكن المرفهات عن النفس إذا استخدمت بكثرة، تفقد تأثيرها في طرد الملل.

من أمضى فترة طويلة من دون أن يأكل في مطعم، سيجد تجربة الأكل في المطعم جميلةً وتُحسنُ من مزاجه النفسي، لكن من اعتاد على الذهاب إلى المطاعم لن يجد في هذه التجربة فارقاً كبيراً.

الترفيه في الانترنت سلاح ذو حدين

نتصل بالإنترنت على نحو دائم لأغراض عدة، تواصل مع أقارب، نتسوق، نتتبع أخبار، لكن الجزء الأكبر من أوقاتنا في الإنترنت نقضيه في الترفيه، ألعاب فيديو، مقاطع فيديو في الواتس أب، مشاهدة أفلام ومسلسلات وغيرها.

هذا شيء غير مسبوق في تاريخ البشرية، فتاة من الطبقة الكادحة في لندن سنة 2020 لديها من وسائل الترفيه أعظم من الملكة فيكتوريا التي بلغت بريطانيا في عهدها أقصى مجدها السياسي.

الشاب العربي الذي لديه حسابات في نتيفليكس واليوتيوب والسناب شات لديه ما يرفه عن نفسه أعظم من الحجاج الثقفي الذي كان أقصى ترفيه لديه هو منادمة شاعر وشرب لبن! هل تصورت كم حياته بائسة مقارنة بحياتنا.

بالمقابل اتصالنا الدائم بمرفهات الانترنت أيا كان نوعها لكسر رتابة اللحظة الحاضرة، أضعف كثيراً من تأثيرها.

من يشاهد حلقة في الأسبوع من مسلسله المفضل سوف يكون لها تأثير كبير علي تحسين مزاجه النفسي أكثر مما لو شاهد عدة حلقات في نفس اليوم، كذلك تفعل تطبيقات الجوال مع شعورنا بالملل.

كلما قضينا وقتاً أطول في المرفهات التي يوفرها الانترنت تجنباً للممل، كلما زاد شعورنا بالملل وضعفنا عن تحمله.

الملل والابداع:

للملل فضلٌ كبيرٌ في تطور البشرية، فالتنوع في الأكلات مصدره أناس يملون من أكله معينة فيبتكرون غيرها، ينطبق نفس المبدأ على التنوع في الملابس والمباني والاختراعات،

نحن مدينون للملل بالكثير من التحسينات في جوانب حياتنا.

لو لم يشعر أسلافنا بالملل مما لديهم، فمن المتوقع أن نعيش في نفس المستوى المعيشي الذي عاشوا فيه.

الأشخاص الذين يتكيفون بسرعة مع الروتين، عادة ما يكونون أبعد من غيرهم عن الإبداع.

هل لاحظت قلة الأفكار التي تراودك أثناء الاستحمام الصباحي؟ مرد ذلك أن عقولنا لم تعد تشعر بالملل، فلدينا طوفان هائل من المعلومات ومحتويات الترفيه مما يُشغل عقولنا عن التفكير الإبداعي.

الملل والمهارات الاجتماعية:

قلل توفرُ الانترنت بسهولة من حاجتنا لتطوير مهارات التواصل الاجتماعي التي كانت تسعفنا للهروب من الملل.

عندما لم يكن لدى أسلافنا المرفهات التي لدينا، طورا مهارات اجتماعية في اللعب والرقص والأحاديث للترفيه عن أنفسهم، تخيل أناسٌ يقضون ساعات في الصحراء يلهون بألعاب من الحصى وعظام الحيوانات!

قارن حالهم بحال شباب اليوم الذي ما إن يشعر بأي نوع من الملل في المكان حتى يسارع إلى جواله باحثا عن مرفه، ضارباً صفحاً عن محاولة تكوين أي تواصل مع من حوله.

عُرف عن الفتيات من أي عرق في تاريخ البشرية أنه لا تجلس فتاتان بجانب بعضهما من دون حديث مشترك بينهما، لكن مع وجود الانترنت، اختفت هذه المهارة، حتى يمكن أن تجد حالياً في مكان واحد عشر فتيات من دون أن يتحدثن مع بعض، فقد وجدت الفتاة في الانترنت ملاذاً عن الشعور بالملل وكسره بالحديث مع فتاة أخرى.

حادثة شخصية مع الملل!

راسلني قبل أسبوعين أ. عبد الرحمن عرفة، عارضاً علي خانة لكتابة مقال في مدونات أراجيك، واقفتُ، لكن كلما جلستُ أمام شاشة الكمبيوتر مفكراً في مقال، يدفعني المللُ بعد دقائق للبحث عن شيء ترفيهي في الانترنت، مضت الأيامُ من دون كتابة حرف. حتى حصلتُ على موعد عند طبيب أسنان، ولم يكن لدي اتصال الانترنت، فلم أدر ماذا أفعل في لحظات الانتظار، فكرت في قراءة المنشورات الطبية في المستوصف، ثم عدلتُ عنها، فلا يوجد عاقلٌ يجد متعةً في قراءة منشور طبي.

لم أدر ماذا أفعل؟ مرت الدقائقُ بعد الدقائق وشعوري بالملل يزداد حتى كتبتُ على ورقة بجانبي (ملل.. ملل ماذا أفعل؟) ثم جاءت فكرة كتابة هذا المقال.

لماذا نحتاج الملل؟

كما كتبتُ في بداية المقال، التعرض لفترة طويلة للملل ضار على الصحة العقلية والنفسية، لكن قليلاً منه ضروري لنجد متعة في باقي جوانب حياتنا ونستمد منه أفكاراً إبداعية ونطور مهاراتنا الاجتماعية بالتواصل مع الآخرين.

لماذا ينجذب البعض لنظريات المؤامرة؟

  




. نشر المقال في مدونات أراجيك

في صباح يوم الأربعاء (25/11/2020) تحديداً في الساعة 9:33 تلقيتُ رسالة في قروب واتس أب تُحذر من تناول لقاح ضد مرض كوفيد-19، تدعي الرسالة أن كوفيد-19 ليس سوى مُجرد خُدعة، تستغله قوى خفية لتتحكم بعقول وأجساد البشر عن طريق اللقاح.

جاءت التشكيك بعد فترة امتدت لأكثر من 300 يوماً، أصيب خلالها سياسيون، إعلاميون، رياضيون وغيرهم بالمرض، لأكثر من 300 يوماً، كانت وسائل الإعلام المحلية والدولية تمطرنا بمواد إعلامية تحذر من المرض، لأكثر من 300 يوما كان كوفيد-19 هو الهم الأول للحكومات والمنظمات الدولية.

مع ذلك ما يزال البعض مصراً أنه مجرد خدعة!

يُصنف هذا النوع من التحليل على أنه الإيمان ب(نظرية المؤامرة) و التي ترى أن ما يُعرض أمامنا ليس الواقع كما هو وإنما تضليل إعلامي، تتكأ النظرية على تفسير الحدث من منظور تآمري.

في التاريخ الحديث، عدد كبير شهير من نظريات المؤامرة مثل أن تنظيم الماسونية تنفيذ لإحدى بروتكولات حكماء صهيون، أن عائلة روتشيلد اليهودية سببت الحرب العالمية الأولي حتى تغرق الحكومات الغربية بالديون، لم يهبط الأمريكان على القمر، أن المخابرات الأمريكية مسؤولة عن مرض الإيدز، وأن الأرض مسطحة! وغيرها الكثير.

سوف أتناول أبعاد هذه الطريقة في التحليل من خلال المقال.

المصطلح ضحية نفسه!

من الطرائف أنني حاولتُ عند كتابة المقال تتبع أصل لمصطلح، تبين لي بعد البحث أنه توجد نظريات مؤامرة عن (نظرية المؤامرة)!

على مدى تاريخ البشرية، كانت هناك شرائح عديدة تُفسر الأحداث الكبرى التي لا تروق لها أنها من إعداد قوى شريرة خفية. ترى هذه الشرائح أن المعضلات التي تواجهها ليس من عملها وإنما من عمل ماكرين خبثاء لا يودون لهم الخير.

الانقسامات الدينية الحادة والفتن بين أبناء الدين الواحد تسبب بها أشخاص معادين للدين تظاهروا بأنهم من أتباع دين ما، من أجل ضرب الدين من الداخل.

وتنسب الأزمات الاقتصادية التي عصفت بالدول لا إلى سوء إدارتها للاقتصاد وإنما لأقليات عرقية/دينية، يسوؤها أن ينعم مجتمع ما بالرفاهية الاقتصادية.

لكن المصطلح (نظرية المؤامرة) بدلالته الحالية وحمولته السلبية، من عمل وكالة المخابرات الأمريكية.

فقد شككت شريحةٌ كبيرةٌ من المجتمع الأمريكي ومازالت البعض يشكك بالرواية الرسمية لمقتل الرئيس جون كيندي، وخرجتَ تحليلاتٌ عديدةٌ تفسر ما حدث وتكذب رواية المخابرات الأمريكية، فأطلقت عليها وكالةُ المخابرات الأمريكية لقب نظريات المؤامرة لإضعاف مصداقيتها.

لا يهم كثيراً مصدرُ المصطلح، لكن ما يهم فعلاً أن شيوع هذا النوع من التحليل خطير جداً، لأنه ينزع الثقة من أي مصدر معلومة.

لا يمكن أن يستمر النقاشُ حول قضية ما، إذا اعتبر طرفٌ ما أن أدلة الطرف ماهي إلا خدع وتلاعب وأنه ضحية تضليل من جهات خفية.

ما سمات نظرية المؤامرة؟

يتلقى الواحد منا يومياً سيلاً معلوماتياً جارفاً من (أفراد/مؤسسات/ حكومات) بعضها صحيح وبعضها خاطئ، المعلومات الخاطئة منها بعضها نتيجة خطأ غير مقصود وبعضها عن عمد.

كيف نفرق بين التصور الخاطئ أو المعلومة الغلط التي تحتاج تصحيحاً، وبين التحليل التآمري الذي يفسر ظاهرة ما بأن هناك تلاعباً في عرض الحقائق؟

هل يمكن معرفة نظرية المؤامرة من خلال حدسنا وخبرتنا مع هذا النوع من التحليل، فيكون حالنا معها مثل حال القاضي بوتر ستيوارت (القاضي في المحكمة العليا في أمريكا) حينما سئل كيف يفرق بين الفيلم الإباحي وغيره؟ فقال: ” أعرف الفيلم الإباحي إذا شاهدته!” أم أن التحليل التآمري له سمات؟

يرى د. بيتر نايت المحاضر في جامعة مانشستر أن هناك ثلاث سمات، متى اجتمعت في تحليل ما، فهو أقرب لأن يكون نظرية مؤامرة.

  1. لا شيء يحدث صدفة، لا يعترف التحليل التأمري بالصدف. فهو يرى أن كل جزئية في الحدث الذي يحلله فهو نتيجة تخطيط مسبق.
  2. لا شيء يظهر كما هو، يرى التحليل التأمري أن الظواهر تخفي تحتها معلومات لم يطلع عليها سواهم.
  3. كل شيء فله ارتباط بظواهر أخري، لا تتعجب إذا اطلعت على تحليل تآمري يربط فيها المحلل سبب ظاهرة صحية ما، بالاقتصاد والدين.

أضيف من عندي سمة رابعة في التحليل التآمري، أن من يتحمس له عادة يكونون أشخاصاً غير متخصصين معرفياً في المجال الذين يتبنون التحليل التآمري فيه.

سوف أطبق هذه السمات من خلال مثالين أحدهما محلي والآخر عالمي وهما مجرد مثالين لتقريب المفهوم وليس لي مقصد آخر.

فشل رياضي:

ألغيت مشاركة نادي رياضي في مباراة دولية بسبب إصابة عدد من لاعبيه بمرض كوفيد-19 نتيجة عدم تطبيق الإجراءات الاحترازية، ترتب عليها حرمانه من بطولة دولية، كيف فسر من يعتقد بالتفكير التآمري هذه الحادثة؟

  1. ليس صدفة أن يُصاب اللاعبون قبل المشاركة بعدد كاف لإلغاء المباراة. لماذا أصيبوا في هذا الوقت وليس في غيره من أيام سنة 2020؟ لماذا تشافوا بعدما ألغيت المباراة!
  2. يرى أن الأمر ليس مجرد إصابة لاعبين نتيجة اختلاطهم بمصاب وإلغاء المشاركة، الأمر أعقد من هذا وراء الأكمة ما وراءها!
  3. يربط بين الحادثة ونوعية المبلد المستضيف والاتحاد الكروي الآسيوي وخصوم النادي المحليين والدوليين في الحادثة فهو يعتقد بوجود تنسيق خفي فيما بينهم لحرمان الفريق من البطولة.

حركة معاداة التطعيمات

ظهرت في العقدين الماضيين حركةٌ تقف موقفاً صارما من التطعيمات، بدأت الحركةُ عندما ادعى الطبيب الأمريكي أندرو ويكفيلد عام 1998 أنه يوجد رابط بين الإصابة بمرض التوحد والتطعيمات الإلزامية التي يتناولها الأطفال قبل الالتحاق. سحب أندرو دراسته عام 2004 بعدما وجد باحثون أخطاء منهجيه في دراسته.

سحبُ دراسة علمية لوجود ضعف علمي فيها ليس بالأمر غريب، لكن المشكلة أن حركة معاداة التطعيمات ازدادت ضراوة بعد سحب الدراسة، فقد غززت من يقينهم بوجود مؤامرة عليهم!

هذا هو الجانب الخطير من التحليل التآمري، إذا لم تُسحب الدراسة سيقولون هذا دليل علمي على صحة موقفنا أن التطعيمات ضارة بالأطفال، وإذا سُحبت الدراسة سيقولون هذا دليل أوضح أن جهات ما (شركات أدوية/حكومات فاسدة/ إعلام ضعيف) تتآمر علينا.

هل هناك سمات لمن يميلون للتفكير التآمري؟

كلنا معرضون لأن نتبنى نظرية أو نظريات مؤامرة، شخصياً كنت أميل لفكرة ضلوع الأسرة الحاكمة البريطانية في مقتل ديانا، لكن عدلتُ عن هذا التصور مؤخراً، يتقبل الناسُ نظريات المؤامرة لدوافع مختلفة منها:

  1. أنها تقدم عزاء لهم في حال وقع شيء عزيز عليهم خلاف ما يريدون، فقد لاحظ د.جوزيف زأوسينيكي أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميامي أن المصوتين للمرشح الرئاسي الخاسر يميلون للتفسير التآمري لتبرير خسارة مرشحهم أكثر من المصوتين للمرشح الفائز.
    مثلاً مناصرو ترمب لم يشككوا في نزاهة الانتخابات عندما فاز سنة 2016، لكنهم شككوا في نزاهة الانتخابات عندما خسر في 2020، تحديداً في الولايات التي خسرها، بينما الولايات التي فاز بها 2020 فلم يشككوا بها.

الإنسان يكون عرضة لتقبل التحليل المؤامراتي عندما يواجه مشكلة لا يستطيع حلها وغير مستعد لتقبل الهزيمة، وكلما كان الإنسان أكثر حدية في أفكاره (سياسة-دين-رياضة …) وغير مستعد للإقرار بالفشل، سيكون أكثر تقبلاً لنظريات المؤامرة.

  • أنها تجعلنا نبدو أكثر ذكاء ممن حولنا، تعتقد د. أنيكا رابو أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة ستوكهولم أن مما يجذب البعض لتبني نظريات المؤامرة أنها تظهرهم بمظهر ذوي التفكير العميق الذين يدركون مالا يُدرك غيرهم من السطحيين.

يؤيد صحة تحليل د.رابو أن عادة ما ينتصر للتحليل التآمري الغير متخصصين معرفياً في المجال الذي يتبون نظرية المؤامرة فيها.

نظرية المؤامرة تمكنك من تعويض النقص المعرفي لديك في قضية ما، من خلال اتهام معلومات الآخرين أنها خاطئة.

  • تروج نظريات المؤامرة في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية، لأن الناس يقعون تحت ضغط نفسي كبير لا يمكنهم من تناول الأحداث بهدوء وعقلانية فيكونون عرضة لتبني لتحليل تآمري يعفيهم من تحمل أي مسؤولية عن الواقع الذي يعانون منه.
  • يعتقد بعض الناس أنه لابد أن يتناسب حجم السبب مع حجم الظاهرة، إذا وجدوا سبباً صغيراً لظاهرة كبيرة، شككوا فيه معتقدين أن السبب الحقيقي مخفي عنهم.
    لما فحصتُ معظم تحليلاتي التآمرية وجدتُ أن السبب الرابع قد يكون أكثر سبب يحملني على تقبل نظرية المؤامرة، هل يُعقل أن تموت ديانا في حادث سيارة عرضي؟ مثلا هكذا تصورتُ.

في الواقع سبب صغير قد يقود لسبب أكبر منه وتتسلسل الأسباب وتضخم مع الزمن.

من الجيد أن تفحص تحليلاتك التآمرية، حتى تعرف من أين يأتي الخلل عادة.

من يميل للتفكير التآمري ليس بالضرورة ساذجاً أو قليل التعليم، إنما شخص لديه ضعف في الانضباط العلمي، يتقبل المعلومة إذا وافقت هواه ويرفضها إذا خالفت هواه مثله مثل من لديه مغالطات منطقية في طريقة استدلاله، فليس شرطاً أنه لا يُحسن التعليل، لكن سمح لتحيزاته المعرفية والنفسية أن توجه طريقته في عرض الحقائق والتوصل للاستنتاجات.

ابحث عن المستفيد

نظريات المؤامرة محاولة تعسفية للتلاعب بالحقائق، وهي نظريات معقدة جداً ولا يمكن أن تظهر على السطح من تلقاء نفسها، فهناك جهات تعمل على نشر نظريات المؤامرة.

يرى د. قاسم قسام أ. الفلسفة في جامعة يورك أننا يجب أن نفرق بين منتجي نظرية المؤامرة والمستهلكين لها، من ينتج تحليلات وسرديات تآمريه ويغلفها بمعلومات مضللة هو يعمل من أجل هدف يريده.

إذا سمعت تحليلاً تآمرياً، عليك أن تسأل نفسك ما الغرض منه؟ هل تبحث جهة ما عن عدو وهمي تحمله مسؤولية قصورها؟ هل تهدف النظرية للتشكيك في مصداقية منظمات معينة؟ هل تهدف النظرية لزرع الذعر لدى شريحة ما، حتى يسهل توجيهها نحو هدف ما؟

مسؤولية الانترنت:

لا يمكن الحديث عن رواج النظريات المؤامرة في وقتنا الحالي، دون الإشارة إلى دور الإنترنت، فقد ساعد الانترنت على انتشار نظريات المؤامرة كما وكيفاً بشكل مرعب.

وفرت منصات عدة مثل (اليوتيوب- توتير/ الفيس بوك/ السناب شات) الأرضية لينشر من شاء ما يشاء، غض الفضاء الإلكتروني بنظريات المؤامرة.

السؤال هل هذه المنصات ملزمة أخلاقياً بإيقاف هذا الهراء المعرفي؟
أعتقد نعم وبقوة، يجب أن تبذل هذه المنصات جهوداً أكبر لاحتواء هذه الأفكار السخيفة، فالتحليل التآمري له تبعات، وليس كل من يطلع على هذه المواد المضللة لديه اتزان نفسي وعقلي يمكنه من تقييم ما أمامه بموضوعية.

فقد راجت في بريطانيا قبل فترة نظرية تربط بين الإصابة بكوفيد-19 أبراج شبكات 5-G   إلى درجة أن هاجم بريطانيون هذه الأبراج!

في بعض البلدان العربية التي لديها تنوع عرقي وديني، تخرج نظريات مؤامرة تتُهم فيه أقليات بالاحتكار الوظائف القيادية والتعاون مع دول أجنبية.

هذه النظريات تجعل بعضا من أفراد الأقليات يعيش رعب الاستهداف المادي والمعنوي.

تعاملي مع أصحاب التحليل التآمري:

إذا استولت علي زوج فكرةُ خيانة زوجته له من دون أن يدعم هذه الفكرة وقائع، فإنه يصعب عليها أن تقنعه، إذا توددت له، اعتبر هذا تكفيراً عن خيانتها له، وإن جفته اعتبر هذا دليلاً على أن قلبها مال لغيره.

كذلك الحال مع المؤمنين بالفكر التآمري، فمهما بذلت من جهد لتقنعهم بخطأ تصورهم، فإنهم يتشبثون به أكبر، معتقدين أن هناك جهات فعلا تستهدفهم وأنت أحدهم!
أتحدثُ هنا عن تجربة عريضة مع أنواع مختلفة من نظريات المؤامرة.

من واقع تجربة، لا يمكن انتزاع نظرية مؤامرة بسهولة متى ما استولت على عقل شخص.

ماذا فعلتُ لما قرأتُ الرسالة التي ابتدأت بها المقال والتي تعتبر كوفيد-19 مجرد خدعة؟

خرجتُ من المجموعة فوراً!

الهوية واللغة

  أتلعثمُ عندما يقول لي أحدهم في بداية لقاء، عرفني بنفسك! لا أدري ماذا أقول، هل أبدأ التعريف بذكر قبيلتي التي تسوطن منطقة في عالية نجد منذ الجاهلية؟ أم المدينة التي ولدتُ بها، أم دراستي الجامعية أو عملي؟ بعد محاولات عدة، اخترتُ أن أعرفي نفسي باهتماماتي الثقافية، قارئ للتاريخ مهتم بالفكر.

فهي هوية فضلا على أني اخترتها بوعي، لا تثير حساسية مثل بقية الهويات.

 

اللغة كمكون أساسي للهوية:

في الجامعة حيث العشرات من الهويات تتفاعل مع بعض، عُرفتُ بين زملائي بالقصيمي! بناء على اللهجة.

إذا وجه لي حديث بصيغة أنتم، ينصرف ذهني تلقائياً نحو القصمان ما لم يقتض السياق خلاف ذلك.

لاحظتُ أنني أتوافق نفسياً وذهنياً إلى حد بعيد مع الأشخاص الذين يتحدثون نفس لهجتي أو قريباً منها.

اللغة من وجهة نظري أهم مكون للهوية، بل لا يمكن فهم هوية من أمامك من دون فهم المضمر الثقافي في حديثه.

في سنوات الجامعة كنت من خلال الاستماع للهجة طالب أمامي وتحليل المفردات والتراكيب اللغوية، أستطيع تخمين المنطقة الجغرافية التي ينحدر منها أبواه، مذهبه الديني، طبقته الاجتماعية بل حتى مستوى انفتاحه العقلي.

إذا تجاوزت حدود لهجتي الضيقة، وجدت أن العرب بغض النظر عن انتمائهم الديني أو ولائهم السياسي، هي المكون البشري الذي انسجم معه ذوقياً ومعرفياً وأشعر أن العروبة فعلاً تمثل هويتي.

 

اكتساب لغة ثانية يعني أن تغيراً سوف يطرأ على هويتنا، يشمل التغيير معايير الصواب والخطأ، نوعية الرموز الثقافية التي نمجدها، العدسات التي نرى بها الواقع.

فاللغة ليس وسيلة تواصلية فقط، إنماء إطار نفهم به من حولنا وهي أهم منهل من مناهل الهوية.

 

الهوية ليست قوالب جاهزة:

تزوجتُ من فتاة قصيمية مؤملاً أن أشكل أبنائي بالثقافة القصيمية، لكن سارت الأمورُ على خلاف ما أريد، فابنتي لا يطربها إلا الأغاني الإنجليزية، مهما حاولتُ التحدث معها بلهجتي القصيمية لا تتجاوب معي.

هل سوف أقصرها على هوية معينة؟ بالتأكيد لا، هوية الإنسان تتشكل من خلال تفاعله مع من حوله وهي في تغير دائم.

الهوية هي تعبير الذات أمام الآخرين، تفاعل الذات مع الواقع، وتعبر عن التشابك مع تحديات الحاضر أكثر من العيش في ظلال الماضي لذلك تشكلت هويتي بصورة مختلفة عن أبواي، كما قال مطرف بن عبدا الله بن الشخير:” الناسُ بأزمانهم، أشبه منهم بآبائهم”.


لماذا حرف H?

  في أحد الأيام بسدني، فرغتُ من حلاقة شعري ثم أخذتُ معطفي وغادرتُ.

بحثتُ عن جوالي في جيب المعطف فلم أجده، أين ذهب جوالي؟
تبين لي بعد لحظات أني أخذتُ معطفًا ليس لي!
لهما نفس اللون، الأسود كالعادة.
رجعتُ للمحل ورأيتُ صاحب المعطف يشتم بأقذع أنواع الشتائم مع بسطة في الجسم.
حمدًا لله، كان يظن أني ذهبتُ للجهة المقابلة، فلم يلاحظني عندما رجعتُ.
أخذت ُمعطفي من الحلاق الذي كان يكتم ضحكته،وأعطيته ما معي وهربتُ.
لدي ضعفٌ في الذاكرة البصرية، أتذكر بسهولة حديثًا مع غريب بكل التفاصيل لكن لا أتذكر ملامحه.
يفهمني خطأ البعض عندما أسلم عليه ببرود ولا أتذكر أني تعاملتُ معه من قبل.
عادة أكون آخر من يأخذ حقيبه من سير الحقائب في المطار، لأنه حصل لي أني أخذتُ حقيبة ليست لي أكثر من مرة.
اشتريتُ نعالاً قبل أسابيع، عانيتُ من عدم تميزها مع نعال أخرى لها نفس لون نعالي عند باب المسجد.
وضعت علامة ( H) في نعلي حتى أميزها.

ما الخطأ مع الصوابية السياسية؟ مقال نشر في منصة حكمة

 اجتمع كثيراً مع صديقي أحمد، فهو شاب مثقف ولطيف ويحاول جاهداً ألا يجرح مشاعر من أمامه، عرفني في آخر لقاء معه على كتاب:  أن تحقق ذاتك: كيف يحارب الخيرون التحيز. للكاتبة الأمريكية دولي تشو.

تعني دولي بالخيرين هنا أمثال صديقي أحمد الذين لديهم وعي بخطورة التحيز، لا يستهدف الكتاب بالتأكيد أي شخص لا يرى في التحيز أي رذيلة.

تنبهنا دولي إلى أن بعض الخيرين يستخدمون عبارات تبدو جميلة وإيجابية لكنها تستبطن تحيزاً، مثلا تقول لصديقك الصيني الذي أحرز درجات متدينة في الرياضيات: غريب أن تكون درجاتك في الرياضات متدنية، فالصينيون معروفون بإجادة الرياضيات.

إن كان ظاهر العبارة إيجابياً إلا أنها تستبطن حكماً مسبقاً يجرد الشخص من إرادة حرة تستطيع أن تختار مساراً لها بخلاف الشريحة التي تُصنف منها.

تدعونا دولي أن نتعامل مع الأشخاص من حولنا على أنهم ذوات مستقلة وألا نقولبهم في أي قالب (جندري-عرقي-ميل جنسي) حتى لو كان برأيك هذا القالب إيجابي، لأنك بهذه الطريقة تسلبه ذاته المتفردة وتتعامل معه كفرد ضمن مجموعة.

تستلهم دولي في كتابها مذهب الصوابية السياسية وهو مذهب له أنصاره ومخالفوه، سوف تتناول هذه المقالة تعريفا موجزاً بالصوابية السياسة ثم تناقش لماذا فشلت في تحقيق أهدافها؟

تاريخ مصطلح الصوابية السياسية

 اختلف اليساريون في الغرب في عشرينيات القرن الماضي حول الموقف الصحيح تجاه طريقة إدارة جوزيف ستالين للحرب الشيوعي.

اعتبر بعض اليساريين أن الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي هو المرجع الصحيح لتطبيق النظرية الاشتراكية، لذلك دافعوا عما يفعله ستالين حتى وإن كان يظهر للأخرين أنه مجرد دكتاتور يدير الحزب بطريقة تخالف مبادئه مثل المساواة بين البشر، فيما هاجم الاشتراكيون هذه الفكرة معتبرين نقدهم هو الصواب السياسي في الموقف الصحيح تجاه طريقة إدارة ستالين للحزب.

اختفي تداول المصطلح لعقود حتى عاد في فترة السبعينات الميلادية عندما استعمله بعض الليبراليين ممن عرفوا باليسار الجديد في أمريكا كنوع من النقد الذاتي للتيار اليساري.

ثم أعاد استخدامه المحافظون الجدد في مطلع التسعينات لوصف محاولة اليساريين لفرض رؤاهم الثقافية في الجامعات الأمريكية.

ترجع حساسية المصطلح إلى أنه محمل بحمولة نقدية سواء من يتفق مع رؤى المصطلح أو يختلف معها.

ما  الصوابية السياسية؟

صادف خلال كتابتي للمقال مشاهدتي لحلقة من مسلسل curb your enthusiasm   الموسم الحادي عشر، حيث طلب الممثل لاري ديفيد سائقا لكي يحمل أمتعته ويسوق السيارة من المطار إلى مكان تصوير عمل فني، وصل السائق وتبين أنها فتاة نحيلة بالكاد تقدر على حمل أمتعة لاري.

طلب لاري من الشركة تغيير السائقة، فقالت له الموظفة وهو تستدرجه لماذا هل تريد تغيير السائقة؟ هل تود سائقة أكثر جاذبية (تقاوم الصوابية السياسية تنميط المرأة كإنسان مغري للرجل)
لم يستطع لاري تغيير السائقة مع ذلك لامه زملاؤه كيف لا يساعد الفتاة في حمل أمتعته، رد عليهم لاري بأن الفتاة ترفض ذلك (تقاوم الصوابية السياسية تنميط المرأة كإنسان أضعف من الرجل)

توضح هذه الحلقة بطرافة طبيعة الصراع الثقافي بين مؤيدي الصوابية السياسية وخصومها.

تستلهم الصــوابية الــسياسية منهجية التحليل الماركسي والتي ترى مشاكل العالم من خلال الصراع بين شريحتين، تسعي الأقوى منها لفرض شروطها على الأضعف. والتي تختلف بطبيعة الحال من مجتمع لآخر.

استعانت الشرائح المهيمنة في الماضي بوسائل مادية لفرض شروطها، فيما استعاضت حالياً عنها بوسائل نفسية.

مثلا يرى المناصرون للصوابية السياسية أن شريحة الرجال البيض تهيمن على المجتمع الأمريكي وتفرض رؤاها ومعاييرها على غيرها، وتضع البقية في قوالب ذهنية (المرأة مغرية جنسيا وأضعف من الرجل) الأسود (مجرم وعنيف جنسياً) المكسيكي (مهاجر غير شرعي- يتجر بالمخدرات) المثلي (ضعيف وليس لديه كرامة)

تهدف الصوابية السياسية لتنبيه المجموعة المهيمنة التي تحصل على امتيازات لا يستشعرها أفرادها، أن بقية شرائح المجتمع يعانون من غياب هذه الامتيازات لهم. فمن امتيازات الشريحة المهيمنة أن معايير النجاح مصممة أساساً لهم وليس لبقية شرائح المجتمع، أن الطرائف التي تطلقها على غير من الشرائح الثانية لا تجرح مشاعرهم فحسب، بل تعمل بمثابة قيد خفي عليهم يعيقهم من التقدم.

تبدو الصوابية السياسية مذهبا مثالياً يسعى لمحاربة التحيز وتذليل العقبات أمام الشرائح المهيمن عليها، فما الخطأ في طريقتها؟

الدوغمائية

اختلاف الأفكار بين البشر حقيقة ثابتة في كل تاريخ البشرية، لكن معضلة الحوار مع المتحمسين للصوابية السياسية أنه لا يمكن إجراء حوار مثمر معهم! لسبب واحد فهم يعتبرون ما يؤمون به حقوقا لا يمكن النقاش حولها.

مثلا يرون من حق سيدة حامل أن تمنع عرضا كوميدياً إذا تضمن طرفة عن النساء الحوامل، من حق الأمريكي الأسود الحق أن يسقط تمثالاً لشخصية تاريخية لأنها أساءت التعامل مع أجداده.

 ليس هذا فحسب بل إنهم لا يتورعون عن التدخل في نواياك وعقلك اللاوعي، يعتبرون أن فتح الرجل باب السيارة لفتاة يعكس نظرة سلبية ترى في الفتاة كائنا ضعيفا يستحق الدعم أو كائنا جنسيا يُستغفل بالتلطف.


لم تنجح المذاهب المنغلقة فكريا على مدار التاريخ لأن الواقع المعقد يتطلب مرونة فكرية في التعامل معه، ولن تنجح أبداً في حاضرنا لأن تشابك المصالح الآن أشد.

مثلا كيف سوف تتعامل الصوابية السياسية مع صناعة الكوميديا المعتمدة على السخرية من التصورات النمطية؟  تعمل أقسام التسويق في الشركات من خلال استهداف شرائح ضمن قوالب ثقافية واجتماعية، هل سوف تنسف الصوابية السياسية طريقتهم وتطلب منهم التعامل مع العميل كفرد وليس كعينة من شريحة؟

تقوم الأديان والأحزاب السياسية على تصور تصنيف البشر دينيا وسياسيا، كيف تستطيع الصوابية السياسية بحدتها الفكرية التي لا تقبل المساومة أن تتعامل مع عالم شديد التعقيد والترابط؟ 

التدمير الذاتي

تطمح حالمة التيارات الطهورية لتغيير العالم، لكنها تفشل سريعاً في ذلك، كلما أوغل فرد من التيار في تبني أفكار التيار، كلما زادت خلافاته مع أفراد التيار الذين لا يتفقون معه في نفس درجة تبني الفكرة. الخوارج في التاريخ الإسلامي وقادة الثورة الفرنسي في التاريخ الأوربي مثالان واضحان على القدرة التدمرية للتيارات الطهورية التي لا تعترف بأدنى درجة من الاختلاف معها.

تعتبر الصوابية السياسية مثالاً معاصراً على الحدية الأخلاقية تعود بالضرر على أفراد التيار قبل غيرهم.

لم يتحمس أفراد الصوابية السياسية للتصويت لهيلاري كلنتون عام 2016 لها في نظرهم ل متواطئة مع النظام الذكوري، والنتيجة فوز سهل لترمب الذي يمثل كل ما تحاربه الصوابية السياسية وهو خيار أشد سوء من هيلاري.

 كما لم تنجح أفراد الصوابية السياسية من كبح جوردن بترسون المعادي لها، فكتبه الأعلى مبيعاً، فيديوهات حلقاته تصل مشاهداتها إلى الملايين مشاهدة.

يعلل جوناثان كاي وهو يساري مقتنع بتوجهات الصوابية السياسية ذلك بأن أتباعها ينشغلون في خصومات داخلها أكثر من توحيد الجهود ضد خصومها.

ذكر ستيفن فراي وهو يساري إنجليزي يهودي ومثلي جنسياً في مناظرة منك  munk debateحول الصـــوابية السيــــاسية: قوة للخير؟ أن صعود التيارات اليمنية في أمريكا وأوروبا لا يرجع إلى كفاءتها وإنما لفشل اليسار في تقديم نموذج جذاب  المنشغلة بصراعاتها الداخلية.

السياق أهم من الكلمة

يوجد علاقة بالتأكيد بين اللغة التي نستخدمها ونوعية التفكير، لكن ليس بالقدر الذي يصوره الصوابية السياسية، فالمكان الذي نتخلص فيه من الفضلات مثلا، يسميه البعض بيت الراحة والبعض دورة المياه أو آخرون الحمام، تغير التسميات لا يعني أن تصورنا عنه تغير.

قد أقول عن شخص ما بأنه ذكي وعبقري وأنني أحبه، لا يعد هذا خطأ وفق الصوابية السياسية لكن يعلم الجميع أني أسخر منه، فالسياق والأسلوب أهم من المفردات.

ما البديل؟

إذا لم تكن الصوابية السياسية مقاربة ملائمة للتعامل مع التحيز، فهل يوجد بديل؟

لابد أن نعترف أن التحيز جزء من تركيبة الدماغ البشري وبنائه النفسي، ولا يمكن القضاء عليه تماماً، يوجد أفراد لديهم قدرة أكثر من غيرهم على كبح جماح التحيز، توجد مجتمعات لديها أنظمة وقوانين لمحاربة التحيز أحسن من غيرها، من المهم أن نسعى على الأقل لأن نكون منصفين وعادلين على المستوى الفردي والجماعي ألا يجرنا تحزينا ضد جماعة معينة أن نظلم أحد أفرادها.

أستعمل شخصياً الكوميديا في تقليل حساسية التحيز وتنميطات الثقافية، إذا قابلت شخصا ولمست منه أنه متحيز ضدي لأي سبب (عرقي-مذهبي…) أحاول أن أوجه الحديث نحو طرائف عن الصورة الذهنية السلبية للمجموعة التي أصنف فيها، ليكون الحديث بعدها عن مفارقة الواقع عن الصورة المتخيلة، استفدت هذه الطريقة من تناول الممثل الكوميدي جيري ساينفيليد اليهودي في مسلسله عن اليهود.

هل تناسب هذه الطريقة الجميع، لا أدري.

كما ينصح آلان دو بوتون أن نفصل بين الأدب في مخاطبة الآخرين وتجنب ما يثير حساسيتهم لأي سبب كان وبين الأجندة السياسية التي تصاحب عادة مناصري الصوابية السياسية مثل التغير المناخي ودعم المثلية.

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...