الأربعاء، 15 يناير 2025

قصة قصيرة-موعد غرامي


 

توفي أبي وأنا صغير، رحمه الله لم يكن أبًا نموذجيًا وفق المعايير المعاصرة، لكنه خلف لنا عقارات عديدة، واسم عائل "يرفع الراس"، أدارت أمي العقارات، بطريقة أبعد ما تكون عن الاحترافية، وهذا ليس بغريب، " فايش درى الحريم عن التجارة"،فكانت تبيع الواحد  منها، وتنفق علينا بسخاء، ثم يتقلص الإنفاق، لذلك كان مستوانا المعيشي متأرجحا، مثلا في خزانة ملابسي يوجد خمس جزمات من النوع الفاخر، و أربعة جوارب عادية!

 

أما اسم العائلة، فبيض الله وجه أبي، فمجرد ذكره في أي مجلس، كافٍ ليفتح لي أبوابا مغلقة، فاتكاء على اسم العائلة، كان متوقعًا مني أن أسلك مسارًا وظيفيًا متميزًا اعتمادًا عليه لكن " الانجلينزي" وقف لي بالمرصاد، " فبسببها أمضيت في المرحلة الثانوية سبع سنوات، بدلا من ثلاث!  هذه اللغة اللعينة، تستحق أن تكون لغة أهل الجحيم.

 

=" يا ولدي، أول شيء علشان تتعلم إنجليزي، لازم تنطقه صح"

هذه كانت نصيحة مدرس الإنجليزية،  لم استجب له، سأظل حتى أموت لا أدعوها إلا ب" الانجلينزي"

لم أكن متميزًا في لعب كرة القدم، لكن " عيال الحارة" وهم من ذوي الدخل المحدود، كانوا يضعونني في الفريق لاعبًا أساسيًا، بسبب حبهم غير محدود لي، اقترح علينا صويلح، لاعب الظهير في فريقنا،  أن نخوض مباراة خارجية ضد فريق من حارة أخرى، بعيدة عنا، وكعادة اقتراحاته السيئة، لم يكن قرارًا سليما،  فقد حصل بيننا خلاف حول احتساب هدف، تطور إلى اشتباك بالأيدي! وهرب فريق حارتنا، باستثنائي، فقد أحاطوا بي، وأخذوا يركلونني وأنا أصيح أنا من " آل فلان.." لكنهم لم يميزوه، فعيال حارتنا، أناس على الهامش، لكنهم يعرفون المركز، لكن هؤلاء الجرابيع، يقعون على هامش الهامش، فلا يعرفون أسماء عوائل الحمايل، سقط ثنيتان من الفك الأعلى.
رجعت إلى حارتنا،  والدم على ملابسي وقد اختلط بالعرق، حاملا الثنيين معي، فلا يجوز أن أدفنهما عند حارة الجرابيع، وقف عيال الحارة ينظرون إلى والعار على وجوههم، كيف يتركون صديقهم؟ كل عاراً عليهم جميعاً، لكنهم جعلوا من صويلح الكبش الفداء لفعلتهم، ولقبوه منذ ذلك اليوم بصويلح، المنحوس.

 

 اشتكينا للشرطة بما فعلوه بي، لكنهم جميعا أقسموا بالله أنهم في تلك العصرية، كانوا في المسجد يحفظون القرآن! ليس غريبا ما صدر منهم، فهؤلاء الجرابيع لا يعرفون شرف الكلمة مثلنا الارستقراطيين.

++

 

أعد عيال الحارة عشاء، اشترك فيه الجميع، كل بحسب استطاعته، ولأني ذلك الموقت، لك يكن لدى نقود، بسبب سياسية أمي المالية، فقد كنت محتارًا، هل أذهب معهم أم لا؟ 

أريد الضحك والفرحة معهم، وسيكون موقفًا محرجًا أن يتحدث الجميع عن مناسبة، ولا تكون مشاركا فيها، لكن من الجهة الثانية، ينظرون إلي على أني " ولد ناس" فكيف أذهب إليهم ويداي خاويتان؟

لسبب لا أدري ما كنه، ذهبت إليهم ومعي سفرة طعام! دخلت الملحق، حدق بي الموجودون،
= وش ذا ؟
= سفرة
سادت فترة صمت، ثم أعقبها ضحكات من كل صوب، علت وجهي حمرة، كما يقول الروائيون، وصارت السفرة محور حديث العشاء" جيبوا السفرة" " ودوا السفرة" " السفرة الذهبية" ضحكت تلك الليلة مع ثتنيتي الصناعتين  ضحكا، لم أضحكه في حياتي.

لما  أويت إلي فراشي تلك الليلة، 
 لم أنم سريعا، فقد تأملت في مستقبلي، فأنا أكبر إخوتي، وأبي متوفى، و أمي لا تحسن إدارة عقاراتنا، و اسم العائلة لا يعول عليه، فلم يحول دون فقدان الثنيتين، والتي وضعت بدلًا عنهما، اثنتين صناعيتين، لكنهما ليسا مثل خلقة ربي بالتأكيد، ومهاراتي الرياضية متواضعة، " الإنجلينزي الله يلعن من جابه" سد أمامي مجال العمل ، فكل المقابلات الوظيفة لا بد أن تبدأ can you tell us about yourself?

 

ماذا أصنع؟ إلى أين أسير؟ مازلت صغيرًا لم أصل لسن العشرين، لكني مقيد.

 وبينما كنت أفكر في مستقبلي، كانت ترد ذهني تعليقات من عشاء العيال،  ابتسم لها قليلا، ثم يرجع لي العبوس عندما أفكر في المستقبل، بعد عدة ساعات من التقلب في الفراش،   خطرت في ذهني فكرة، " التنكيت" ، هذه المهارة ستكون بوابتي للمستقبل، فنحن نعيش في زمن التفاهة، الناس تريد أن تضحك، سواء كنت داعية ديني، أو مذيع تلفزيوني، أو مثقف، الجمهور يريد أن ترفه عنه.

 لما حللت النكت التي قيلت حول السفرة وجدتها تدور على فكرة " المبالغة" فالسفرة شيء تافه جدا، لكن جعلت المبالغة به، منه حديثا ظريفا، إذا جاء ذكر المغني محمد عبده، قل صوتي أحسن منه، والناس سوف تضحك، إذا ذكر الشيخ ابن عثيمين، قل أنا أعلم منه، سيخرون منك، لكنهم في النهاية سوف يعتبرونك " ملح" الجلسة.

تحسنت مهاراتي في التنكيت، باستخدام هذه الطريقة حتى عرفت فيما بينهم "وليد الفلة".

++

تواصل معي أحد أصدقاء السوء، ممن تعرفت عليهم في المرحلة الثانوية، وأخبرني أنه تعرف على فتاة من المنطقة الشرقية، فتاة جميلة ومن عائلة راقية، وقد قدمت من الشرقية مع أهلها، وترغب أن تتقابل معه في مقهى ومعها صديقتها، وسألني هل يمكن أن أرافقه؟
رديت عليه بأسرع من الصوت، أو الضوء، لا أدري، الأسرع منهما.

= "إيه تكفى، و الله أكون محترم" قلتها بصوت استعطافي.
= إيه، بس لا تجيب العيد.

 

نبهني إلى أن رجال الهيئة ممكن أن يتواجدوا في الشارع الذي عليه المقهى، فالأفضل أن نرتدي ملابس رثة، لا تعكس أنها لموعد غرامي.

 

نفذت بالضبط ما طلب مني، فلا يمكن أن أفرط في هذه الفرصة! وصلت المكان وقد لبست بنطالاً أسوداً، وفانيلة بنية، وجزمة بيضاء وقبعة خضراء، تشكيلة مضحكة، لكنها كافية لتبديد أي شك بأني أواعد فتاة، على العكس مما فعله صديقي، الذي جاء بزي يعكس فعلا أنه لمقابلة فتاة.

= " لعبت على يا كلب 
= ابتسم وأجاب " تعرف ما فيه إلا قمر واحد بالسماء" 

 

جاءت الفتاتان، بعدما نزلتا من سيارة السائق، خمنت من مشيتهما وطريقة الترحيب أنه سبق لهما مواعدة شباب من قبل.

 

دخلنا المقهى، وقد أخبرني صديقي من قبل، أنه اختار جلسة تكون على شكل u  بالانجلينزي، بحيث تجلس الفتاتان في المؤخرة ، ونجلس على جانبي الطاولة، يجلس بجانب الفتاة التي واعدها، و أنا بجانب الفتاة الثانية، ثم تستدل الستارة، وبعد أحاديث عامة، يخفض صوته بحيث تميل له رأس فتاته، وأنا انتهز الفرصة و أتحدث مع الفتاة الأخرى، كانت خطة محكمة ليستفرد كل واحد بفتاة، لكن بعدما خدعني ، قررت أن أؤدبه.

بعدما جلسنا، واستدلت الستارة علينا، وتخففت الفتاتان من اللباس 
= " بنات ، تدرون مرة من شدة الجوع أكلت مكيف"
اتسعت عياناهما من التعجب ثم ضحكتا، 
= " مرة تواصلوا معي شركة أرماني، يبون أزين معهم دعاية"

زادت ضحكتهما، ضربت واحدة الكنب بيديها، بينما قالت الأخرى:
" أنت مرة واضح ذويق في اللباس.." ثم مسحت بالمنديل ما تحت عينيها

لم أسمح لصديقي أن يتنفس أبدا، فقد أتيت بكل معجم الطرائف التي مرت على، بينما ظل صامتًا مثل صنم، أمضينا ساعتين  أتحدث و الفتاتان تضحكان، ثم افترقنا، خسر صديقي فتاة لأنها اعتبرته " ثقيل دم" بينما استمرت علاقتي بفتاتي.

لم ألتق بها بعد ذلك اللقاء، إذ اقتصر التواصل بيننا على مكالمات الجوال، لكنها طلبت مني مرة أن نلتقي في فندق، فأحاديث الجوال لم تكن كافية في نظرها للاستمتاع بطرائفي.

 

"غرفة في فندق، وهي من طلبت"، يبدو أن مستوى علاقتنا قد انتقل إلى المرحلة الثانية، استأجرت غرفة في أحد فناق فنادق العاصمة، ولأنه تلك الأيام، لم يكن يُسمح للعزاب أن يكون معهم رفيق ناعم، فقد رشوت موظف الاستقبال عندما أحضرت له صورة من بطاقة أبي العائلية، عذرًا أبي، لكن للضرورة أحكامها.

 

 

دخلنا الغرفة، مازلت أذكر رقمها ٢٤٤، مع أنه مضى  على الموقف أكثر من عشرين سنة، خلعت عباءتها، ثم جلست على الكنبة، ووضعت رجلا علي أخرى، 
 كانت تلبس فسانا أسود ضيقًا، يبرز مفاتن صدرها، 
= هاه تقولي وش آخر نكته قلتها؟
= و الله ما أذكر
= أهم شيء ما تكون مع بنت غيري
= مستحيل
= هذا وش أصنفها: كذبة و لا نكته

ضحكنا، لما تأملتها، تذكرت ما حكاه لنا مدرس التاريخ، فقد أخبرنا أن زبيدة زوجة هارون الرشيد، كانت حفيدة أبي جعفر ، وأنه سماها زبيدة لأنها مثل الزبدة في النعومة والطراوة و البياض، لم تكن فتاتي مكتنزة بحيث يطلق عليها زبدة، لكنها طريقة وناعمة.

قمت وفتحت الثلاجة ووجدت فيها عددا من الشوكولاتة، خيرتها ماذا تريد؟
= توكس، علشان تضمني مثل يضمون بعض!
ناولتها بينما أخذت سنيكرس، 

جرأتها في الحديث ، أدخل في ذهني بعض الأفكار الشيطانية، ماذا تتوقع من شاب مع فتاة في غرفة فندق؟ ذهبت إلى الحمام، تأملت البانيو، تخيلته ممتلئ ماء ونحن فيه، يتكئ كل واحد فيها على جدار مقابل،

= " ناقصنا بس شموع" هكذا تمتمت، ثم قضمت قطعة السنكرس، سقطت الثنيتان الصناعيتان في حوض البانيو، حاولت إمساكهما، لكنهما انزلقا داخل الفتحة.
توقفت كل شيء عندي، الزمن، التفكير الوعي، عضلات وجهي.

 

لم أصدق المشهد، مضى على تركيبهما ثلاث سنوات، لماذا سقطا الآن؟


تحسست السينكرس بأصابعي، صلب جدا، كيف لم أتنبه لذلك! لا أحد يأخذ سينكرس من ثلاجة فندق ٤ نجوم بالعاصمة، إنه يوضع لزينة فقط!

مشيت ببطء نحو مرآة الحمام، فتحت فمي، منظر بشع!
= " الله يلعن وجهك!

 الله يلعن حظك: هكذا تمتمت

التفت إلى البانيو، قبل لحظات تخيلت مشهدا رومانسيًا ، والآن أمامي أبشع منظر رأيته في حياتي.

 


تحسست بلساني المنطقة الخالية..

= الله يلعن ذيك المباراة، ويلعن صويلح واقتراحاته

= وليد وينك؟

رجعت وتناولت قارورة بيبسي، أرفعها عند فمي، كأني أشرب عندما أتحدث حتى لا تنتبه للفضيحة.

لاحظت فتاتي بعد فترة هذه الحركة،

= وش بك..

= "عادي" تظاهرت بالبلاهة، أنا رفع قارورة البيبسي عند فمي.
=وليد!!
 

فكرت أن اكتب على ورقة ماحدث، فقد كنت خجلا أن أتفوه بها

= وليد وش بك؟ بغضب
رفعت قارورة البيبسي، وقلت
= تبي تشوفين أغرب شيء مر عليك في حياتك!

 

لم ترد، لكن تعابيرها وجهها تقول " أخلص علي"
 أنزلت القارورة

 

ثم قلت cheeees

تأملت بذهول..
فتحت فاهاه..

 هل سوف تبصق علي؟ أو سوف تصرخ؟ هل ترميني بالريموت؟

أستحق ذلك..

لكنها ضحكت بصوت عال!!
كانت تضرب بيدها اليسرى على فخذها، وتضع اليمنى على عينها و ترفس الأرض بقدميها

 

وتقول
= الله يقطع سوالفك يا وليد،، ما تخلص مواقفك الكوميدية..

ابتسمت بتردد ثم دمعت عيناي، كانت المرة الأولى والأخيرة التي جربت فيها دموع الفرح، شعرت بشعور ملاكم بعد تلقى عشرات الضراب وتغيرت ملامح وجهه، عندما يظن أنه سينقل للمستشفى، يرفع الحكم يده معلنا أنه انتصر.

شعور غريب، فرح مختلط بالخجل.

 

اعتمدنا هذه الغرفة، لتكون مكان لقائنا في كل الذكرى السنوية لزواجنا.

 

تمت.
 



 







 



 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...