الأربعاء، 14 يناير 2026

تأملات في ملل القراءة- نشرت في منصة نديم

 قبل أسبوع من بدء معرض الكتاب في الرياض، جمعتني جلسة مع أصدقاء من المهتمين بالقراءة ومتابعة أخبار الكتب (والحش الثقافي). قال أحدهم متذمرًا إنه منذ أكثر من ثلاثة أشهر لم يكمل كتابا واحدا، إذ يتصفحه قليلا ثم يتوقف، مهما تكن نوعية محتوى الكتاب، أو الوقت الذي يخصصه للقراءة.

وانطلقت النصائح من كل صوب:

“جرب قراءة كتب خفيفة، ١٠٠ صفحة مثلا”.

” تحد عقلك، اقرأ كتابا يستفزك”.

“ارجع للروايات، فهي ممتعة”.

“اربط اكمال قراءة الكتاب، بمكافأة تحبها”.

“انضم إلى مجموعة قرائية”.

“ألزم نفسك في مواقع التواصل الاجتماعي بإعلان أنك ستنهي الكتاب خلال أسبوع”.

هكذا انهالت عليه مقترحات (الأصدقاء/الخبراء)، وقد لاحظت أنها تحمل الطابع الأمريكي في التحفيز، وتحقيق الأهداف، ولدي تحفظ كبير على الأمريكان، لكن ليس هذا وقته!

غير أني كنت أرى أن دافع القراءة الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل من الداخل. فالواحد يبحث في قراءة كتاب عن إجابة لتساؤل لديه، مثلا شخص يتابع الحرب (الروسية/ الأوكرانية) قد يتساءل، من هو بوتين؟ كيف وصل للسلطة؟ ثم يبحث عن كتاب، يكشف له شخصية بوتين، حتى لو كان الكتاب الذي وجده ليس جيدا، فإنه سوف يكمله، رغبة في الوصول إلى إجابات لديه. شخص آخر يتابع أخبار الدروز في السويداء، فيبحث عن كتب تتحدث عن تاريخ الدروز ومعتقداتهم، لماذا اختلف مسارهم السياسي في لبنان وفلسطين وسوريا.

قرأت قبل فترة كتاب My life in Full: family, work and future لإندرا نويي، التي تولت منصب المدير التنفيذي لشركة البيبسي، وأنا من محبي هذه الشركة، وأفضل منتجاتها على منتجات شركة كوكاكولا (يوافقني في هذا الرأي أصحاب الذوق الرفيع في المشروبات)، لذلك بحثت في الكتاب، عن الطريقة التي أوصلت هندية مهاجرة إلى هذا المنصب.

لذلك أنا على يقين، بأنه لا يوجد قارئ نهم، يلتهم أي كتاب، مهما كان محتواه، حتى لو كان كتيب كيفية استخدام غسالة الملابس!  هذا تصور ساذج، لكن يوجد (القارئ الجاد) وأعني به الذي ينهي الكتاب الذي بدأه، وهو قارئ بالضرورة له اهتمام معرفي محدد، ويجد في الكتب التي يقرأها، متعة معرفية، لأنها تتعاطى مع إشكالات تؤرقه.

وقد لاحظت، (وهذه مجرد ملاحظة شخصية، وليست مبنية على دراسة أو بحث ميداني) أن من يجد مللا في القراءة، مع أنه يحب هذا النشاط ويقدره، بسبب أنه يقرأ كتبًا متنوعة، ليس بينهما أي رباط، كتب قد تكون ثرية معرفيا في مجالها، لكنها لا تجيب عن تساؤلات لديه.

وقبل بدء معارض الكتاب، تنتشر كثيرًا توصيات الكتب، وأنا أعارض بشدة هذه التوصيات.

أولا: لأنها تعمل مثل كرة ثلج، تجد مثلا كتابا، يحصل على تسويق جيد من بعض من يصنفون على أنهم (مؤثرين)، ويحظى بكميات شراء عالية، ثم يتحول إلى أكثر الكتب مبيعا في المعرض، أو على الأقل الأعلى مبيعا من ضمن الكتب التي نشرتها الدار، ثم يتبين فيما بعد بأن عددًا ممن اشتروه، اعترفوا “بأن الكتاب أقل من عادي، ولا يستحق عناء مزاحمة الآخرين في المعرض” وهذا حصل كثيرا، ومن يعرف المشهد الثقافي السعودي جيدا، يدرك ما أقول.

ثانيا: أن كل واحد منا له تكوينه الثقافي الخاص، وهو تكوين تشكل من عوامل كثيرة، فما يعجب أصدقائي ورموزي الثقافية، لا يعني بالضرورة أن يعجبني، فالقراءة فعل خاص، قائم على ذوق شخصي، بل إنه قد يعجبني كتاب هذه السنة، قد لا يعجني نفسه بعد خمس سنوات، أو قبل سنتين، فلماذا تطمس ذوقك القرائي الخاص، وتسلم عقلك، لمن يختار لك الأفضل ما في المعرض؟

نسمع كثيرا، من يقول: “لن أحضر معرض الكتاب الحالي، لأني لم أقرأ الكتب التي اشتريتها من معرض الكتاب السنة الماضية!” وأنا أخمن أن سبب بقائها مركونة في مكتبته أنه اعتمد في شرائها على توصيات الآخرين. بل إنني أعتبر: “توصيات الكتب للمعرض” و” الكتب الأكثر مبيعا” من أسوأ ما ابتلي به المشهد الثقافي مؤخرا.

ربما يظن البعض أنه في حاجة لقوائم التوصيات، لأن المعرض به أكثر من ٤٠٠ دار نشر، ولا يستطيع أن يمر عليها جميعا، لذلك أقول له: لست بحاجة إلى ذلك، بل عليك أن تتوجه لدور النشر التي تنشر كتبا في مجال اهتماماتك، فيوجد دور نشر مهتمة بالأدب العربي، وأخرى مهتمة بالفكر الإسلامي، وثالثة بالفلسفة اليونانية، رابعة الفلسفة الألمانية، وخامسة بتنمية الذات، وسادسة بالعلاقات الاجتماعية، والتميز الوظيفي، والسير الذاتية، والروايات العربية، والروايات مترجمة، والأدب الفنتازي (بالمناسبة لا أنصح به لمن هو فوق العشرين).

لما عمل غازي القصيبي رحمه الله سفيرا، كان يُهدى له الكثير من الكتب (هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلني أريد أن أكون وزيرا) فاحتار كيف يعرف هذا الكتاب مناسب له أم لا؟ ثم توصل إلى طريقة عملية ذكرها في كتابه الخليج يتحدث شعرا ونثرا، و(أنا أوصي بهذا الكتاب!) وهي أنه يعطي الكتاب ١٠ دقائق فقط، فإذا نجح في شد انتباهه، أكمل قراءته أو يضعه على الرف!

وهذه نصيحتي لكل من يود شراء كتاب، لا تستعجل في شرائه، ولا تستمع لمن يقول: “أحذرك من هذا الكتاب” لكن إذا اشتريته، فكن قارئا جادا وأنهه بسرعة.

بالطبع، لن تكون القراءة ممتعة كما تصورها الحسابات التي تضع صورة كتاب بجانب كوب قهوة (لا أدري ما سبب العنصرية تجاه كوب الشاي) فهذه الحسابات، برأيي المتواضع كما يقول الإنجليز، لها دور سلبي في تراكم الكتب الغير مقروءة في رفوف مكتباتنا، لأن الواحد يشتري الكتاب بناء على صورة انستقرام، متصورا، أنه سوف يحصل على لحظات سعيدة، كما يتوهمها في صورة على انستقرام.

القراءة تتطلب جهدا ذهنيا، وهي عملية شائقة، إلا إذا كنت تقرأ نصا خفيفا مثل الروايات والسير الذاتية، ولا يمكن أن تصل متعتها لمثل مستوى مشاهدة مقاطع التيك توك، مهما فعلت من وسائل وأساليب لتحبيب القراءة لديك، لكن تظل أهم خطوة للتغلب على الملل، هي أن تختار كتابًا يجيب عن تساؤل واضح لديك.

العنعنة الثقافية وتشويه فهمنا لكتاب نظام التفاهة- نشرت في منصة نديم

 بعض عناوين الكتب تحظى برواج كبير، إلى درجة أنها تتداول في سياقات مختلفة، من دون أن يصحب ذلك قراءة لمحتوى الكتاب، مثل «أحببت وغدًا»، و«الأسود يليق بك».

وعنوان «نـظام التفاهة» لد. آلان دونو من عناوين الكتب التي حظيت بانتشار كبير، ويُستحضر في كل مناسبة، حين يرى المعلقون في الفضاء الرقمي تافهًا يحظى بامتيازات فقط لأنه مشهور وله متابعون. ويتصور البعض وجود مؤامرة كونية، يُصدّر من خلالها التافهون لتولي مراكز التأثير في المجتمع، وأنه مهما قيل (لا تجعلوا من الحمقى مشاهير) فيصبح الحمقى مشاهيرًا وموجهين، لأننا نعيش في (نظام التفاهة).

لن أناقش دقة هذا التفسير التآمري، لكن سوف أناقش فكرة أن محتوى الكتاب لا تتعلق بمشاهير وسائل التواصل (أقسم بالله العظيم أن المؤلف لم يذكر مرة واحدة: توتير، فيس بوك، سناب شات، انستجرام) مع أني موقن أن معظم المشاهير تافهون! لكن أرى من الأمانة العلمية ألا تنسب فكرة لكتاب لم يدعيها.

ما فكرة الكتاب؟

في كل مجال (سياسي، اجتماعي، ديني- تجاري…) توجد ثلاث شرائح  يُمكن تقسيمها بحسب الكفاءة: المتدنية، المتوسطة، وعالية الجودة. وفي معظم فترات التاريخ، كانت الطبقة عالية الجودة هي من تُهيمن على المجال، لكن يرى المؤلف أن الوضع تغير بعد انتشار تقسيم العمل، الذي ساهم في بروز الطبقة المتوسطة، “فإجادة كل مهمة لجعلها نافعة لمنتج نهائي، لا أحد يعرف ماهو، هي مسألة قد ساهمت في ظهور خبراء فارغين، يهرفون بخطب جيدة التوقيت ومتضمنة لشذرات من الحقيقة”.

فما يقصده بنظام التفاهة، أنه نظام صمم لأجل أن يترقى فيه بسهولة الموظف متوسط الجودة، فالموظف البليد، غير الكفؤ لا يترقى طبعًا، و الموظف المتميز، الذي يطرح أفكارًا جديدة، ويعاند المدير عندما يطلب منه تنفيذ مهام غير مقتنع بها، يجمد وظيفيًا، وقد يترك العمل، لذلك يترقى الموظف الذي لديه قدر من الالتزام والجدية و(عدم معارضة المدير)، وقد ذكر الوزير النعيمي في سيرته الماتعة «من البادية إلى النفط»، أن سر بروزه وظيفيًا  هو أنه “يبيض وجه” مدرائه، و من ترجمات كتب جرير «لن تنتصر على مديرك في العمل»، فلا بد أن تتكيف مع الوضع السائد وتعمل بجد، وتنقذ كلام مديرك بالضبط، حتى تترقى.

لو أخذنا مثالًا يقرب مفهوم نظام متوسطي الكفاءة، لقلنا فرضا، يوجد  أستاذ جامعي في قسم التاريخ الحديث بإحدى الجامعات ، يجيد أكثر من لغة (عربية- برتغالية- انجليزية)، يكتب أبحاثًا رصينة في مجلات محكمة، إذا طلب منه مديره أن يشارك في فعالية استقبال الطلاب المستجدين، يجيبه بـ”أبشر”، مع أنه على المستوى الشخصي لا يحبذ الأنشطة الجماعية، لو تتناقش معه عن تاريخ إيطاليا أو اليمن، لا تجده متحمساً، ويرد عليك بأدب: “هذا خارج اهتماماتي”،  لكنه محبوب من طلابه الذين يدرسون معه، فهو  خبير في في العلاقات العمانية – البرتغالية في القرن السابع عشر ميلادي، فلا يمكن أن تعتبر هذا الأستاذ الجامعي ضعيفًا، لكنه في نفس الوقت، ليس عالمًا أو مفكرًا، و إنما شخص يؤدي دورًا في مؤسسة جامعية، وهذا الدور مناسب له، ولمديره وطلابه، وحسب تعبير المؤلف، يمارس دوره بإتقان في (اللعبة) المتفق عليها.

يرى المؤلف أن انتشار نظام متوسطي المهارة ظهر تدرجيًا، بعد الحرب العالمية الثانية، ويذكر أيضًا أن الباحثين: لورنس بيتر، رومند هال، قد طرحا (مبدأ بيتر) لشرح هذا النظام وهو: “أن العمليات النظامية تساعد الموظفين من فئة الكفاءة الاعتيادية على الترقي حتى يصلوا إلى شغل مواقع السلطة”.

يظهر لي أن أسلوب الان دونو فيه تحذلق وادعاء بالعمق، مما صعب من قراءة فكرة الكتاب، فضلا عن فهمه! لكنه لم يكن الوحيد الذي تطرق لنفس المفهوم، فجلال أمين في كتابه «عصر الجماهير الغفيرة» يرى أن الطبقة المتوسطة قد زاد وزنها في كل أنحاء العالم بعد الحرب العالمية الثانية، سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، لذلك أزاحوا تدرجيا النخبة والصفوة، لكنه في الكتاب ركز على مصر بالذات.

وبروز الطبقة الوسطى، أضعف من جودة المنتجات الفكرية والمادية التي كانت توجه حصرًا للنخبة، فالكم يتغلب على الكيف دائما، كما هو معروف.

لكن نظام متوسطي الكفاءة، ليس سيئًا كما صوره المؤلف، فاستمتاعانا بالكثير من جوانب الحياة، بسبب انتشار هذا النمط، فلولا الله ثم نظام متوسطى الكفاءة وعصر الجماهير الغفيرة، لبقيت مزارعًا في قرية تدعى (الأثلة) شمال نجد!

وجاذبية واستمرارية هذا النظام، أنه منح الفرصة لشريحة أكبر.

من أين أتى سوء فهم الكتاب؟

في المقدمة الطويلة جدا للمترجمة، ذكرت: “ما يجعل من كثير من تافهي مشاهير السوشل ميديا والفاشنيستا يظهرون لنا بمظهر للنجاح هو أمر يسأل عنه المجتمع نفسه؟ من ينكر الآن أن المشاهير والفاشنستات قد حققوا النجاح فعلا، وفقا لمعيار المال، وهو المعيار الوحيد الذي وضعه مجتمعنا نصب عينيه”.

هذا المقطع من المقدمة، انتشر كثيرًا مع صورة الكتاب، والعبارات هذه من (عنديات) المترجمة، فلم يذكر المؤلف أبدًا، السوشال ميديا في الكتاب، وللأسف، كل من تداولها لم يقرأ الكتاب، وإنما اكتفى بهذا النقل من مقدمة المترجمة، لا المؤلف.

خطورة العنعنة الثقافية

إذا أردنا أن نطبق مفهوم نظام متوسطي الكفاءة على الحديث عن الكتب، فنجد شريحة الذين يكتفون بتصوير أغلفة الكتب، ويقولون عنها ممتازة (وجدت العديد منهم في معرض الكتاب)، وتوجد شريحة القراء النهمين، الذين لا يتحدثون عن قراءاتهم ويكتفون بكتابة البحوث وتأليف الكتب. وتوجد شريحة الذين يشاركون قراءاتهم مع الآخرين، ويتفاعلون بحماس، بعض كتاباتهم تعكس عمقًا في القراءة وبعضها مجرد انطباع من أول الصفحات، وبعضها (لطش) من مراجعات الآخرين، وهنا تكمن خطورة أخذ تصورات الكتب والأفكار عنهم، فالوسيط لا يكون دائما أهلًا للثقة.

انتشرت قبل سنوات، معلومة أن هيلاري كلينتون في كتابها «Hard Choices» قد ذكرت إغلاق الأمير سعود الفيصل السماعة في وجهها، لكن الصحيح أنها لم تكتب ذلك، بل كانت معجبة به، لكن ذكرت أن الشيخ عبد الله بن زايد لما تحدث معها، توقف وظنت أن الاتصال انقطع، ثم عاود الحديث معها.

لذلك حتى لا يكون (شكلك وحش) كما يقول المصريون، لا تتحدث أبدًا عن معلومة أو فكرة كتاب، ما لم تقرأها بنفسك، ولا تغتر بكثرة نسبتها إلى كتاب، حتى لو تداولها مثقفون وكتاب كبار.

متى نتوقف عن تكرار التجارب الفاشلة؟ نشرت في منصة نديم

 عند مراجعتي لقوائم أهداف سنة ٢٠٢٥، والتي للأسف فشلت في تحقيق معظمها! لم أكترث لذلك، باستثناء هدف واحد، وضعته سنة ٢٠١٨، وكل سنة أفشل في تحقيقه، فمتى نتوقف عند تكرار التجارب الفاشلة؟

في أدبيات التحفيز، ينظر للفشل باعتباره شيئًا إيجابيًا، فهو يعكس أولًا رغبة في المحاولة، فإذا لم تدخل أصلًا في سباق الماراثون، فبالتأكيد لن يُعد عدم فوزك بالمركز الأول خسارة! كما يُنظر للفشل على أنه جزء من عملية التعلم، فلا يمكن أن تتعلم من دون أن تمر بمحاولات فاشلة، كما أني على معرفة بنصيحة خبراء التحفيز ألا تشارك علانية الهدف(وهي نصيحة تتفق مع ثقافة القصمان المتكتمة) لأن بإعلانك للهدف تخدر ذاتك، وتظن أنت ومن حولك، أنك قريب من تحقيق الهدف، وفي الواقع أنت بعيد عنه.

كل ذلك أعيه جيدًا، لكن تساؤلي، هل يوجد معايير نعرف من خلالها أنه يجب التوقف عن تكرار المحاولات الفاشلة؟، مثلا هل مدة خمس سنوات، كافية للتحقق من فشل المحاولة؟ هل إذا وصل عدد التجارب الفاشلة إلى عشرين محاولة، يكفي للتوقف؟
أليس من الأفضل أن يوجه الشخص الجهد الذي بذله في تحقيق هدف صعب، إلى هدف أسهل منه؟ يُذكر أن رجلًا، جاء إلى الخليل بن أحمد، يريد تعلم العروض، وبعدما أقام لديه عدة أيام، لاحظ الخليل أن الرجل لا يمتلك أذنًا موسيقية وهي شرط لإجادة علم العروض، فطلب منه الخليل أن يُقسّم هذا البيت عروضيًا:
إذا لم تستطع شيئا فدعه
وجاوزه إلى ما تستطيع
ففهم الرجل رسالة الخليل وغادر.
ويذكر الناقد عبدالله بن إبراهيم في سيرته  الماتعة أمواج، أنه كان يكتب في القصة، مع مجموعة من الأصدقاء، ويجتمعون في جلسة أسبوعية يوم الثلاثاء، وذات ليلة صارحهم أحدهم: بأنه لا ينجح مسار أي واحد منهم في كتابة القصة، ثم أخبر عبد الله إبراهيم، أن نقاشاته الشفهية، تعكس ملكة جيدة في النقد، وقد يكون هذا مساره الأنسب له، من كتابة القصة، لم يكن سهلا عليه تقبل هذه الرأي، لكنه فعلا اتجه إلى النقد، وصار علمًا بارزًا في مجال النقد الأدبي على مستوى الوطن العربي. 

أما استسلام أجا كريتسي عن فتى أحلامها فهي قصة حزينة، فقد طمحت أن تتزوج شابًا أعلى من طبقتها الاجتماعية، وذهبت مع أمها إلى مصر لمدة ثلاثة أشهر، تردد على الحفلات الراقصة التي تقام في مصر، من أجل الارتباط بشاب وفق تخطيطها، ثم تزوجت بآرتشي كريتسي(ومنه أخذت اسمه الشهر كريستي)، وهو طيار وسيم، وبعد أن أنجبت منه ابنتها الوحيدة روساليند، وأصبحت روائية معروفة، تفاجأت بعلاقته مع شابة تدعى نانسي نيل، (والتي تزوجها فيما بعد) وحاولت أجاثا أن تحافظ على الزواج، بكل الوسائل العاطفية والعقلية، وفي محاولتها الأخيرة، اختفت في ظروف غامضة، لمدة عشرة أيام، وركنت سيارتها بعد العبث بها، وسكنت في فندق بهوية مزورة، وأحدث غيابها مع العبث بالسيارة الرأي العام في بريطانيا، رغبة منه في حل احتفاء كاتبته البوليسية الأولى، واتجهت الأنظار إلى زوجها آرتشي، الذي يجد لم مبررًا لبعده عن سبب اختفائها، إلا الاعتراف أنه أمضى ليلة اختفاء أجاثا مع عشيقته، وكان هذا هدفها من البداية، أن تضعه أمام ضغط الرأي العام، كرجل لا يلتزم بشرف الزواج، لكن لم يمنعه هذا من طلب الطلاق، ثم تزوجت بعد ذلك عالم آثار، الذي لم يمتلك أي مزية، سوى أنه أصغر منها عمرًا، ويُفهم من كتاب لوسي ورسلي (امرأة مرواغة للغاية) الذي تناول باستقصاء كبير حياتها، أنه زواج سعيد، فهل من الأفضل أن نطوي صفحة الهدف الذي فشلنا به، وننتقل إلى أهداف أخرى؟

يورد ديورانت في مقدمة كتابه “قصة الحضارة” مقولة للفيلسوف والمؤرخ هيجل “نتعلم من التاريخ، أن البشر لا يتعلمون من التاريخ!” ويؤيد هذا الحكم تجربة نفسية، فقد طُلب من مجموعة من المشاركين، الإجابة على أسئلة تتضمن جوابين: صح أم لا، مثلا هل هذا الرمز في اللغة الهيروغليفية يعني القط أم النمر؟ ولما أعيدت عليهم التجربة مرة أخرى، بنفس الأسئلة، لم تتحسن إجاباتهم الخاطئة! في إشارة إلى أن البشر بالعموم، لا يتعلمون من أخطائهم، وأن تكرار المحاولات الفاشلة لأنه مرتبط بتركيبتنا النفسية والعقلية.

 يُذكر أن ثعلبًا حاول الحصول على عنب، فلما فشل، قال: أنت حامض فلا أريدك! وهذه ليس مجرد قصة تروى للأطفال، فتذكر دراسة علمية، أن الناس بالعموم، تقلل من قيمة الأهداف التي تفشل في تحقيقها، فهل يكون الأفضل أن نزدري الأهداف الصعبة، ونعلي من قيمة أهداف أخرى سهلة؟، خصوصًا أن الحياة المعاصرة سهلت ونوعت الإنجازات في حياتنا، فقد يكون إنجازك أن تكون الأفضل في دائرة أصدقائك، بمعرفة روايات ” إيزابيل الليندي” أو موظف العام في شركة عدد موظفيها ٧، لا أحد يكترث، المهم أنك قد حققت شيئًا!

من حكم العرب: “اليأس إحدى الراحتين”، وأنا على قناعة تامة بأن الأهداف البديلة، خيار واقعي، حتى لو بدا في نظرنا غير جذاب.

خلال إعدادي للمقال، وقعت على نصيحة للروائي صمويل بيكيت عملية جدًا، تقول النصيحة:” أفشل مرة، أفشل أفضل” وتعني أنه لا بأس من تكرر المحاولات الفاشلة، شرط أن يتحسن أداؤك مع كل محاولة تكرار فاشلة، فإذا لم تستطع الوصول إلى هدفك، فعلى الأقل طورت مهاراتك، أو حسب تعبير كتب التحفيز: حصلت على نسخة أفضل من ذاتك!
لذلك نقلت هدفي إلى قوائم أهداف سنة 2026.

الأربعاء، 15 يناير 2025

قصة قصيرة-موعد غرامي


 

توفي أبي وأنا صغير، رحمه الله لم يكن أبًا نموذجيًا وفق المعايير المعاصرة، لكنه خلف لنا عقارات عديدة، واسم عائل "يرفع الراس"، أدارت أمي العقارات، بطريقة أبعد ما تكون عن الاحترافية، وهذا ليس بغريب، " فايش درى الحريم عن التجارة"،فكانت تبيع الواحد  منها، وتنفق علينا بسخاء، ثم يتقلص الإنفاق، لذلك كان مستوانا المعيشي متأرجحا، مثلا في خزانة ملابسي يوجد خمس جزمات من النوع الفاخر، و أربعة جوارب عادية!

 

أما اسم العائلة، فبيض الله وجه أبي، فمجرد ذكره في أي مجلس، كافٍ ليفتح لي أبوابا مغلقة، فاتكاء على اسم العائلة، كان متوقعًا مني أن أسلك مسارًا وظيفيًا متميزًا اعتمادًا عليه لكن " الانجلينزي" وقف لي بالمرصاد، " فبسببها أمضيت في المرحلة الثانوية سبع سنوات، بدلا من ثلاث!  هذه اللغة اللعينة، تستحق أن تكون لغة أهل الجحيم.

 

=" يا ولدي، أول شيء علشان تتعلم إنجليزي، لازم تنطقه صح"

هذه كانت نصيحة مدرس الإنجليزية،  لم استجب له، سأظل حتى أموت لا أدعوها إلا ب" الانجلينزي"

لم أكن متميزًا في لعب كرة القدم، لكن " عيال الحارة" وهم من ذوي الدخل المحدود، كانوا يضعونني في الفريق لاعبًا أساسيًا، بسبب حبهم غير محدود لي، اقترح علينا صويلح، لاعب الظهير في فريقنا،  أن نخوض مباراة خارجية ضد فريق من حارة أخرى، بعيدة عنا، وكعادة اقتراحاته السيئة، لم يكن قرارًا سليما،  فقد حصل بيننا خلاف حول احتساب هدف، تطور إلى اشتباك بالأيدي! وهرب فريق حارتنا، باستثنائي، فقد أحاطوا بي، وأخذوا يركلونني وأنا أصيح أنا من " آل فلان.." لكنهم لم يميزوه، فعيال حارتنا، أناس على الهامش، لكنهم يعرفون المركز، لكن هؤلاء الجرابيع، يقعون على هامش الهامش، فلا يعرفون أسماء عوائل الحمايل، سقط ثنيتان من الفك الأعلى.
رجعت إلى حارتنا،  والدم على ملابسي وقد اختلط بالعرق، حاملا الثنيين معي، فلا يجوز أن أدفنهما عند حارة الجرابيع، وقف عيال الحارة ينظرون إلى والعار على وجوههم، كيف يتركون صديقهم؟ كل عاراً عليهم جميعاً، لكنهم جعلوا من صويلح الكبش الفداء لفعلتهم، ولقبوه منذ ذلك اليوم بصويلح، المنحوس.

 

 اشتكينا للشرطة بما فعلوه بي، لكنهم جميعا أقسموا بالله أنهم في تلك العصرية، كانوا في المسجد يحفظون القرآن! ليس غريبا ما صدر منهم، فهؤلاء الجرابيع لا يعرفون شرف الكلمة مثلنا الارستقراطيين.

++

 

أعد عيال الحارة عشاء، اشترك فيه الجميع، كل بحسب استطاعته، ولأني ذلك الموقت، لك يكن لدى نقود، بسبب سياسية أمي المالية، فقد كنت محتارًا، هل أذهب معهم أم لا؟ 

أريد الضحك والفرحة معهم، وسيكون موقفًا محرجًا أن يتحدث الجميع عن مناسبة، ولا تكون مشاركا فيها، لكن من الجهة الثانية، ينظرون إلي على أني " ولد ناس" فكيف أذهب إليهم ويداي خاويتان؟

لسبب لا أدري ما كنه، ذهبت إليهم ومعي سفرة طعام! دخلت الملحق، حدق بي الموجودون،
= وش ذا ؟
= سفرة
سادت فترة صمت، ثم أعقبها ضحكات من كل صوب، علت وجهي حمرة، كما يقول الروائيون، وصارت السفرة محور حديث العشاء" جيبوا السفرة" " ودوا السفرة" " السفرة الذهبية" ضحكت تلك الليلة مع ثتنيتي الصناعتين  ضحكا، لم أضحكه في حياتي.

لما  أويت إلي فراشي تلك الليلة، 
 لم أنم سريعا، فقد تأملت في مستقبلي، فأنا أكبر إخوتي، وأبي متوفى، و أمي لا تحسن إدارة عقاراتنا، و اسم العائلة لا يعول عليه، فلم يحول دون فقدان الثنيتين، والتي وضعت بدلًا عنهما، اثنتين صناعيتين، لكنهما ليسا مثل خلقة ربي بالتأكيد، ومهاراتي الرياضية متواضعة، " الإنجلينزي الله يلعن من جابه" سد أمامي مجال العمل ، فكل المقابلات الوظيفة لا بد أن تبدأ can you tell us about yourself?

 

ماذا أصنع؟ إلى أين أسير؟ مازلت صغيرًا لم أصل لسن العشرين، لكني مقيد.

 وبينما كنت أفكر في مستقبلي، كانت ترد ذهني تعليقات من عشاء العيال،  ابتسم لها قليلا، ثم يرجع لي العبوس عندما أفكر في المستقبل، بعد عدة ساعات من التقلب في الفراش،   خطرت في ذهني فكرة، " التنكيت" ، هذه المهارة ستكون بوابتي للمستقبل، فنحن نعيش في زمن التفاهة، الناس تريد أن تضحك، سواء كنت داعية ديني، أو مذيع تلفزيوني، أو مثقف، الجمهور يريد أن ترفه عنه.

 لما حللت النكت التي قيلت حول السفرة وجدتها تدور على فكرة " المبالغة" فالسفرة شيء تافه جدا، لكن جعلت المبالغة به، منه حديثا ظريفا، إذا جاء ذكر المغني محمد عبده، قل صوتي أحسن منه، والناس سوف تضحك، إذا ذكر الشيخ ابن عثيمين، قل أنا أعلم منه، سيخرون منك، لكنهم في النهاية سوف يعتبرونك " ملح" الجلسة.

تحسنت مهاراتي في التنكيت، باستخدام هذه الطريقة حتى عرفت فيما بينهم "وليد الفلة".

++

تواصل معي أحد أصدقاء السوء، ممن تعرفت عليهم في المرحلة الثانوية، وأخبرني أنه تعرف على فتاة من المنطقة الشرقية، فتاة جميلة ومن عائلة راقية، وقد قدمت من الشرقية مع أهلها، وترغب أن تتقابل معه في مقهى ومعها صديقتها، وسألني هل يمكن أن أرافقه؟
رديت عليه بأسرع من الصوت، أو الضوء، لا أدري، الأسرع منهما.

= "إيه تكفى، و الله أكون محترم" قلتها بصوت استعطافي.
= إيه، بس لا تجيب العيد.

 

نبهني إلى أن رجال الهيئة ممكن أن يتواجدوا في الشارع الذي عليه المقهى، فالأفضل أن نرتدي ملابس رثة، لا تعكس أنها لموعد غرامي.

 

نفذت بالضبط ما طلب مني، فلا يمكن أن أفرط في هذه الفرصة! وصلت المكان وقد لبست بنطالاً أسوداً، وفانيلة بنية، وجزمة بيضاء وقبعة خضراء، تشكيلة مضحكة، لكنها كافية لتبديد أي شك بأني أواعد فتاة، على العكس مما فعله صديقي، الذي جاء بزي يعكس فعلا أنه لمقابلة فتاة.

= " لعبت على يا كلب 
= ابتسم وأجاب " تعرف ما فيه إلا قمر واحد بالسماء" 

 

جاءت الفتاتان، بعدما نزلتا من سيارة السائق، خمنت من مشيتهما وطريقة الترحيب أنه سبق لهما مواعدة شباب من قبل.

 

دخلنا المقهى، وقد أخبرني صديقي من قبل، أنه اختار جلسة تكون على شكل u  بالانجلينزي، بحيث تجلس الفتاتان في المؤخرة ، ونجلس على جانبي الطاولة، يجلس بجانب الفتاة التي واعدها، و أنا بجانب الفتاة الثانية، ثم تستدل الستارة، وبعد أحاديث عامة، يخفض صوته بحيث تميل له رأس فتاته، وأنا انتهز الفرصة و أتحدث مع الفتاة الأخرى، كانت خطة محكمة ليستفرد كل واحد بفتاة، لكن بعدما خدعني ، قررت أن أؤدبه.

بعدما جلسنا، واستدلت الستارة علينا، وتخففت الفتاتان من اللباس 
= " بنات ، تدرون مرة من شدة الجوع أكلت مكيف"
اتسعت عياناهما من التعجب ثم ضحكتا، 
= " مرة تواصلوا معي شركة أرماني، يبون أزين معهم دعاية"

زادت ضحكتهما، ضربت واحدة الكنب بيديها، بينما قالت الأخرى:
" أنت مرة واضح ذويق في اللباس.." ثم مسحت بالمنديل ما تحت عينيها

لم أسمح لصديقي أن يتنفس أبدا، فقد أتيت بكل معجم الطرائف التي مرت على، بينما ظل صامتًا مثل صنم، أمضينا ساعتين  أتحدث و الفتاتان تضحكان، ثم افترقنا، خسر صديقي فتاة لأنها اعتبرته " ثقيل دم" بينما استمرت علاقتي بفتاتي.

لم ألتق بها بعد ذلك اللقاء، إذ اقتصر التواصل بيننا على مكالمات الجوال، لكنها طلبت مني مرة أن نلتقي في فندق، فأحاديث الجوال لم تكن كافية في نظرها للاستمتاع بطرائفي.

 

"غرفة في فندق، وهي من طلبت"، يبدو أن مستوى علاقتنا قد انتقل إلى المرحلة الثانية، استأجرت غرفة في أحد فناق فنادق العاصمة، ولأنه تلك الأيام، لم يكن يُسمح للعزاب أن يكون معهم رفيق ناعم، فقد رشوت موظف الاستقبال عندما أحضرت له صورة من بطاقة أبي العائلية، عذرًا أبي، لكن للضرورة أحكامها.

 

 

دخلنا الغرفة، مازلت أذكر رقمها ٢٤٤، مع أنه مضى  على الموقف أكثر من عشرين سنة، خلعت عباءتها، ثم جلست على الكنبة، ووضعت رجلا علي أخرى، 
 كانت تلبس فسانا أسود ضيقًا، يبرز مفاتن صدرها، 
= هاه تقولي وش آخر نكته قلتها؟
= و الله ما أذكر
= أهم شيء ما تكون مع بنت غيري
= مستحيل
= هذا وش أصنفها: كذبة و لا نكته

ضحكنا، لما تأملتها، تذكرت ما حكاه لنا مدرس التاريخ، فقد أخبرنا أن زبيدة زوجة هارون الرشيد، كانت حفيدة أبي جعفر ، وأنه سماها زبيدة لأنها مثل الزبدة في النعومة والطراوة و البياض، لم تكن فتاتي مكتنزة بحيث يطلق عليها زبدة، لكنها طريقة وناعمة.

قمت وفتحت الثلاجة ووجدت فيها عددا من الشوكولاتة، خيرتها ماذا تريد؟
= توكس، علشان تضمني مثل يضمون بعض!
ناولتها بينما أخذت سنيكرس، 

جرأتها في الحديث ، أدخل في ذهني بعض الأفكار الشيطانية، ماذا تتوقع من شاب مع فتاة في غرفة فندق؟ ذهبت إلى الحمام، تأملت البانيو، تخيلته ممتلئ ماء ونحن فيه، يتكئ كل واحد فيها على جدار مقابل،

= " ناقصنا بس شموع" هكذا تمتمت، ثم قضمت قطعة السنكرس، سقطت الثنيتان الصناعيتان في حوض البانيو، حاولت إمساكهما، لكنهما انزلقا داخل الفتحة.
توقفت كل شيء عندي، الزمن، التفكير الوعي، عضلات وجهي.

 

لم أصدق المشهد، مضى على تركيبهما ثلاث سنوات، لماذا سقطا الآن؟


تحسست السينكرس بأصابعي، صلب جدا، كيف لم أتنبه لذلك! لا أحد يأخذ سينكرس من ثلاجة فندق ٤ نجوم بالعاصمة، إنه يوضع لزينة فقط!

مشيت ببطء نحو مرآة الحمام، فتحت فمي، منظر بشع!
= " الله يلعن وجهك!

 الله يلعن حظك: هكذا تمتمت

التفت إلى البانيو، قبل لحظات تخيلت مشهدا رومانسيًا ، والآن أمامي أبشع منظر رأيته في حياتي.

 


تحسست بلساني المنطقة الخالية..

= الله يلعن ذيك المباراة، ويلعن صويلح واقتراحاته

= وليد وينك؟

رجعت وتناولت قارورة بيبسي، أرفعها عند فمي، كأني أشرب عندما أتحدث حتى لا تنتبه للفضيحة.

لاحظت فتاتي بعد فترة هذه الحركة،

= وش بك..

= "عادي" تظاهرت بالبلاهة، أنا رفع قارورة البيبسي عند فمي.
=وليد!!
 

فكرت أن اكتب على ورقة ماحدث، فقد كنت خجلا أن أتفوه بها

= وليد وش بك؟ بغضب
رفعت قارورة البيبسي، وقلت
= تبي تشوفين أغرب شيء مر عليك في حياتك!

 

لم ترد، لكن تعابيرها وجهها تقول " أخلص علي"
 أنزلت القارورة

 

ثم قلت cheeees

تأملت بذهول..
فتحت فاهاه..

 هل سوف تبصق علي؟ أو سوف تصرخ؟ هل ترميني بالريموت؟

أستحق ذلك..

لكنها ضحكت بصوت عال!!
كانت تضرب بيدها اليسرى على فخذها، وتضع اليمنى على عينها و ترفس الأرض بقدميها

 

وتقول
= الله يقطع سوالفك يا وليد،، ما تخلص مواقفك الكوميدية..

ابتسمت بتردد ثم دمعت عيناي، كانت المرة الأولى والأخيرة التي جربت فيها دموع الفرح، شعرت بشعور ملاكم بعد تلقى عشرات الضراب وتغيرت ملامح وجهه، عندما يظن أنه سينقل للمستشفى، يرفع الحكم يده معلنا أنه انتصر.

شعور غريب، فرح مختلط بالخجل.

 

اعتمدنا هذه الغرفة، لتكون مكان لقائنا في كل الذكرى السنوية لزواجنا.

 

تمت.
 



 







 



 

 

السبت، 4 يناير 2025

أعدائي إني أنذركم

 ظهرت علامة على شاشة السيارة قبل أسبوع، تشير إلى وجود مشكلة في أحد كفرات السيارة، وكعادة الناس الناجحين أمثالي، لم أبادر إلى إصلاحها.

لكن مع تحسن الطقس البارحة، " روقت" وذهبت إلى " بنشري" و أخبرني بوجود مسمار فيه، أخرجه ورقع الفتحة، وأعطيته ١٠ ريالات.. وكما يقول الخواجات : " fair enough
اليوم قبل صلاة الجمعة، اكتشفت صدفة، أن نفس الكفر بنشر! ولأني مثل فلاسفة اليونان، لا أحسن العمل اليدوي، تواصلت عن طريق تطبيق "إزهلها" مع شاب، وجاء وأصلحه، و أعطيته ٧٠ ريالا و أخبرني أن الذي أصلح الكفر "واحد عليمي"
ماذا سوف أفعل؟
في هذا الدفتر، وهو دفتر يوميات يومي، لن أسجل فيه خواطري أو ما يحصل لي مواقف حلوة، فقط سوف أودن فيه الإساءات التي وجهت لي، وستكون مادة لمذكراتي الشخصية
" مع أعدائي"
ستكون أقسى من مذكرات عبدالحمن بدوي..
أعدائي، إنني أنذركم،، التاريخ لن يرحمكم!

لماذا نفشل في تحقيق أهدافنا الشخصية؟


 

قبل دخول هذا العام، كتب صديق في حسابه بإكس: " أهدافي لسنة ٢٠٢٥: تأليف ١٠ كتب، السفر ل ١٣ دولة، الحصول على ١٨ مليون" وعلقت لديه: بقي من قائمة الأهداف: الجلوس مع العظيم حمود الباهلي!

 

هذه التغريدة واحدة من مئات التغريدات التي تسخر من التخطيط السنوي، فقد تذمر كثيرون في نهاية السنة الماضية من فشلهم في تحقيق أهدافهم، فقد كتب صديق: كل أهدافي كانت تسلل! وكتب آخر: سوف أنقل أهداف لسنة ٢٠٢٤ إلى سنة ٢٠٢٥، لأني لم أحقق أيا منها.

لماذا يفشل موظف معتاد على تحقيق الأهداف المهنية، في تحقيق أهدافه الشخصية، هل هو كسل؟ أم ضعف في الالتزام؟ لا أظن، فلدي تحليل آخر.

كتب جاشوا رثمان في صحيفة النيويوكر مقالا بعنوان: فن اتخاذ القرار، استهل المقال بذكر تحير تشارلز دارون مع معضلة هل يتزوج أم لا؟ ثم عمل قائمة بمحاسن الزواج ومساوئه، وغلبت محاسنه فتزوج، لكن جاشوا يرى أن أفصل طريقة لاتخاذ القرار، أن تتخيل الصورة المستقبلية لك، وتتأمل في الخيار الذي أمامك، هل يقربك لحلمك أم لا.
مثلا في التخطيط للمسار المهني، إذا أردت أن تكون موظفا لديه خبرة في اتخاذ القرار بصلاحيات واسعة، فالأفضل اختيار العمل بشركات صغيرة، حتى ولو كانت رواتبها قليلة، لكن إذا أردت أن يكون لديك خبرة عميقة في مجال مهني محدد، فالأفضل اختيار العمل بشركات كبرى، حتى لو كان العمل يتطلب الكثير من الجهد في انجاز مهام روتينية.


لذلك أخمن أن الفشل في تحقيق الأهداف الشخصية، يرجع لأنه لا يساعد تحققيها على رسم الصورة التي تحلم بها، فعلى سبيل المثال، فشلت في الالتزام بأي نظام حمية غذائي والمحافظة على الرياضة، لأني فعليا لا تشدني كثيرا أن يكون جسمي رياضيا، لا بأس إذا حصلت عليه، لن أرفضه بالتأكيد! لكنه ليس رغبة أكيدة، لذلك لا أستطيع أن أمنع نفسي من طبق الفول الصباحي، أو صحن البطاطس المقلية مع قارورة البيبسي الفوارة.

لكن بالمقابل، أحب أن أعرف نفسي بأني كاتب، وأطمح لأن أكتب رواية، وقد جعلت لنفسي هدفا، أن اكتب ٤٠ قصة قصيرة، وأقرأ ١٠٠ رواية قبل البدء بكتابة روايتي، لذلك لم أجد صعوبة في الالتزام بأهدافي، فقد كتبت حتى الآن ست قصص، وقرأت ٢٤ رواية، مع العلم أني كسول، وليس لدي دافع ذاتي للعمل، ولابد أن يضع أحدهم المسدس على رأسي حتى انجز العمل، كما أنني فوضوي، دخلت قبل فترة لغرفتي حتى أرتبها، وأمضيت فيها ثلاث ساعات، خرجت منها وهي أشد فوضوية!

 

فالموظف يعرف من خلال خبرته الوظيفية، أنه إذا حدد هدفا، فلابد أن يكون قابلا للإنجاز، يمكن قياسه، محددًا في إطار زمني، لكنه معتاد على أهداف توضع لتلبية رؤية الشركة، وليس أهدافا شخصية.

وإحدى معضلات التواصل الاجتماعي، أن كثرة الحديث عن تحقيق الأهداف الشخصية، وحجم التفاعل العالي معها، قد تجعل البعض يتبنى أهداف غيره! فقد شكى صديق أنه يشتري كتبًا من معرض الكتاب، مع أنه لم يبدأ بقراءة كتب التي اشتراها من معرض الكتاب السنة الماضي!
= ممكن أن تخبرني عن الكتب التي اشتريها؟
= تردد قليلا، ثم افتح حسابه في إكس، وأراني صورة التي اشتراها.
= لماذا اشتريتها؟
= هذه الرواية مدحها كثير، و هذا الكتاب ممتاز في تاريخ العراق، وهذا ...

= كم كلفتك؟
= من دون إحراج!
= لا تخجل، أعتبرني " الكوتش" حقك
= ١٣٠٠ ريال
= ولم تنه قراءة أي كتاب.
= نعم بتردد.
= الله يخلف عليك
= بس على الأقل حصلت ٤٧ لايك! 
= برافو!

 

فأخبرته: لديك صورة مستقبلية ضبابية عن مستقبلك الثقافي، تريد أن تكون مثقفا، لكنها ليست واضحة بحيث تحفزك للقراءة، ولابد حتى لا تقتصر  فائدتك من شراء الكتب، على الحصول على تفاعل رقمي! أن تتخيل نفسك بعد خمس سنوات، هل تريد أن تكون ناقدا للماركسية، مؤرخا لمصر؟ مختصا في علم الكلام؟ لابد أن تختار مجالا معرفيا محددا، يستهويك، ثم تضع لك أهدافا مرحلية للوصول إلى الصورة التي تحلم بها.

نسمع كثيرا تعبيرات مثل : أعشق التصميم، أنا مجنون بالثقافة، أنا أموت في السفر، وهذه تعبيرات مراهقين، ويفترض أن يقتصر استخدامها على مغازلة الجنس اللطيف، وهي من بقايا لغوية من التصور السابق، أن الإنسان لابد أن يكون لديه شغف، يكرس كل حياته له، وهذا وهم و لست أقصده هنا، ما قصدته أن تضع أهدافا شخصية، تجعلك تحصل على نسخة أفضل منك، كما في التعبير المستورد، أخبرني صديق أنه يحب تصاميم المباني، لكن والده أجبره على اختيار تخصص هندسة حاسب و العمل في شركة نفطية، لذلك كان ينقطع كثيرا عن متابعة الجديد في هذا العلم، حتى حدد أهدافًا شخصية، منها متابعة سبعة حسابات في التيك توك، تتحدث عن تصميم المباني، وصار يقضي فيها أسبوعا الساعات، اكتسب من خلالها خبرة فنية.

 

 يذكر جاشوا في نفس مقالته، أنه إذا كانت الاختيارات مبنية من أجل الوصول إلى الصورة التي تتخيلها لذاتك، حتى لو لم تتحقق الصورة كما تخيلتها بالضبط، فعلى الأقل تكون قريبًا منها، وهذه ميزة اختيار أهداف تعكس اهتمامات شخصية، فأنا مثلا حتى لو فشلت في أن أكون روائياً، فعلى الأقل سيكون لدى معرفة في فن الرواية، بعد السير على الخطة التي وضعتها.

 

 

 

 





الثلاثاء، 26 نوفمبر 2024

قصة قصيرة-علاج

 

لم أعد راغبًا في أي شيء، فقدت الأشياء جاذبيتها، يهطل المطر، فلا أخرج لرؤيته، أصل عند الإشارة ولونها أخضر، فلا أفرح، يقدم لي طبق شهي، فلا تمد يدي إليه، لست حزينا أو خائفا، أو مريضا،  فقط لا أرغب.

 

بدأ حالتي منذ تسعة أشهر تقريبًا، في البداية قلت واجباتي السريرية،  كالعادة شكت زوحتي بأن لي علاقات أخرى، لكن برأ موقفي، قلة إقبالي علي الطعام، فأنا محب للأكل عموما،  ابتكرت "كشري بلس"، وهو نفس طبق الكشري المعتاد لكن بعد إضافة الدجاج له، و ابتركت أيضا "مطبق مطور"، وهو نفس المطبق المعتاد، لكن استبدال الكراث بالبطاطس المقلية.

 

أما أكثر طبق افتخرت بابتكاره فهو " الونيس" وهو مكون من : شاهي أحمر، يقدم في كوب سيراميك، بلا إضافة السكر، مع حلا تيراميسو، أي تعديل ولو يسير على هذه المكونات، لا يعتبر طبق الونيس، مثلا، لو وضعت نعناعا مع الشاي، أو أضفت له السكر، فلا ينطبق عليه التسمية.
روجت له كثيرا، بين معارفي وأصدقائي، وخضت معارك كثيرة من أجل إثبات ملكيته، و الآن لم يهمني إن سطا عليه آخرون ونسبوه لهم، أو عدلوا عليه.

= " تدري وش مشكلتك؟ ما عندك شغف!”
= "وشلون ماعندي شغف، و أنت تعرف هوسي بالأكل، لعلمك، خسرت حتى الآن ٦٢ كيلو!
= الأكل ليس شغف.
= أجل تسلق الجبال شغف؟!!

 

هكذا علق صديق على حالتي، صديق آخر كان له تعليل مغاير، فقد اعتبر ما أمر به " أزمة منتصف العمر" وأنني بحاجة للزواج من ثانية، هذا الصديق تصنفه زوجتي على أنه من أصدقاء السوء، ولأنه مازال حيا على قيد الحياة، فهذا يعني أني لم أعمل بنصيحته.

=" تدري وش مشكلتك؟ أنت حققت كل أهدافك في حياتك، تعيش في فراغ، تحتاج مدرب حياة يعلمك وش تبي"
هذه نصيحة زميلة في العمل، تنفق ربع راتبها على مرشدتها في الحياة، لا بأس لكل إنسان الحق في أن ينفق أمواله كما يشاء، من جهتي أفضل أن أضع كل أموالي في كرسي المرحاض و أسحب عليها السيفون، ، و لا أعطي مدربي الحياة أي قرش.

أرسل لي صديق عزيز جدا رسالة تتضمن رحلة إلى براغ، مدينتي المفضلة، لمدة أسبوعين و ستكون الرحلة " م-م"  أي محفولا مكفولا، لم أرد عليه، لا تظن أنني وقح، لكن أردت أن أوقف أي محاولة من البشر لعلاجي.

فتحت جهازي وذكرت للذكاء الاصطناعي  مشكلتي وطلبت منه حلا، بعد عدد من الردود بيننا، توصل الذكاء الاصطناعي،  إلى أن أفضل حل لمشكلتي هو الانتحار.

لم أستسغ الفكرة أولا، انتحر! هكذا ببساطة أيها اللعين، مازلت في الخامسة والثلاثين، صحتي جيدة ودخلي المالي ممتاز، ثم تقترح على الانتحار!

أغلقت الجهاز بقوة، وخرجت من المكتب، أشعلت سيجارة، لقد بدأت بالتدخين مؤخرا، بناء على نصيحة صديق 
=" أوجد لك مشكلة لم تتعامل بها من قبل، سوف ينشغل بها ذهنك عن مشكلتك الحالية"
هذا الصديق يستلهم الحكم والأقوال الخالدة من حوارات روايات مترجمة، ونصيحته هذه مجرد رأي أخرق، ففضلا عن مشكلة الاكتئاب لدي، صار لدي أيضا الإدمان على عادة مضرة صحيا.

 

لما تأملت الفترة الماضية والتي امتدت ل٩ أشهر، جربت فيها  اقتراحات بشر يعرفونني، لكن فشلت، والآن أتساءل، هل يبدو أن اقتراح الذكاء الاصطناعي صائبا؟ فهو كما هو معروف، يقترح حلا لمشكلتك بناء على تجارب سابقة لحالات مشابهة لي.
 الاستسلام هو خيار الواقعين، هكذا تمتمت.


رجعت للمكتب، وفتحت الجهاز، وطلبت منه طريقة مناسبة للانتحار، بناء على فهمه لشخصيتي، اعتذر فقد قال أني وصلت إلى الحد الأعلى من الأسئلة معه.

 

لا بأس، سوف أبحث بنفسي، بعد جولة قصيرة بمعية محرك جوجل، توصلت إلى طبيب نرويجي، يقدم خدمة القتل الرحيم، لكن للدقة، يفترض أن يسمونه القتل الجميل، تجلس على أريكة بجانب نافذة تطل على بحرية، تقف عند رأسك فتاة شقراء، تدس الإبرة في يدك، وتحادثك حتي تقبض روحك.

هؤلاء الأوروبيون يتقنون كل شيء ويضعون عليه مسحة من جمال، إن لم يكن الجمال كله، لكن عيبهم التغطية الإعلامية، ماذا ستقول الصحافة الأوروبية عني؟ عربي مسلم وقد يضيفون أيضا وهابي، ينتحر في أوسلو!
سأكون وجبة للبرامج الحوارية، عن صدام الثقافات، سوف تطرح أسئلة مثل: لماذا لا يقبل المسلمون بأن ينهي الواحد حياته بسلام؟ متى تسمح الدول الإسلامية بمنح حق الانتحار؟ وسوف يخرج دعاة مسلمون يوصفون بأنهم تقدميون في الإعلام الغربي، يقولون، يوجد في تراثنا آراء لها مواقف إيجابية من الانتحار.
لا، لا، أرفض أن يكون انتحاري مادة للجدل الفقهي.

أيضا سوف أجلب الحرج لعائلتي، ماذا عن إجراءات الدفن، نقل جثتي في تابوت والصلاة علي؟ هذا الخيار غير مناسب على الإطلاق.

فكرت في أن أرمي نفسي من فوق عمارة، لحظات وأفارق الحياة، لكن قد تكون نهايتي بشعة، يتهشم رأسي، ويتناثر الدم حولي،  أيضا قد لا أموت، ولكن أصاب بكسور ،  تجعلني أظل طيلة عمري مقعدا، اكتئاب وشلل!

هل تناول أقراص طبية؟ لكن قد ألا أموت بسرعة، وأتألم كثيرا قبل الموت، و يمكن أيضا يأتي الإسعاف وينقذون حياتي؟
ماذا لو خنقت نفسي؟ أضع حبلا حول عنقي و أقفز من كرسي، كما أشاهد في الأفلام،و اكتب ورقة أعتذر فيها لمن أحب،: "آسف أني خذلتكم؟

نهاية شاعرية، تصلح أن تكون خاتمة لرواية.


لكن قد تشك الشرطة بالفعل، خصوصا أنه ليس منتشرا بينا،  وقد يطلبون تشريحا جثتي للتأكد من سبب الوفاة.
لا،  أريد أن أدفن  بجسدي كما هو، حتى و بدا قبيحا في نظر الكثيرين، لكنه جسدي.

فكرت في أغلق على نفسي في الملحق الخارجي للبيت، و أشعل النار في المدفأة، و أقرأ رواية، هكذا سيكون وفاتي لا تثير أي شكوك، اختناق بالغازات التي تصدرها النار، يحدث كثيرا في موسم الشتاء، كما أنه غير مؤلم، في البداية سوف أغفو، ثم أموت بسلام.

سوف يستغل الدفاع المدني وفاتي، للتذكير أهمية ترك النوافذ مفتوحة عند إيقاد النار في الغرفة المغلقة، سوف يعلق البعض في وسائل التواصل الاجتماعي على الحادثة:
"يا جماعة الخير، انتبوا من النار، تراها خطر" ثم يذكرون حكما مستهلكة.

 

أعلم أن أمي سوف تحزن كثيرا، وقد لا تجد مستقبلا متعة في الجلوس عند النار، أبي سوف يحرن، ويندم ألا يكون حرص أكثر على تربيتي الدينية، زوجتي أيضا سوف تحزن، لكن لا أظن لمدة طويلة، فهي تتذمر من صلعتي، وأظنها ستبحث عن زوج له شعر رأس كثيف، لها الحق في ذلك، يكفي أنها تحملتني لسبع سنوات.

أدخل الملحق وأوقد النار، أفتح رواية " ضياع في سوهو" لكولن ولسون، "خوش خاتمة حسنة"! استمتع بها، لا بأس من مفارقة الحياة بعد قراءتها، لم تكن رواية طويلة، أظن أني سأنهيها قبل أن يقضي علي الدخان.

 

بعد دقائق من استنشاق الدخان، خطر في ذهني أعدائي، ماذا سيفعلون إذا سمعوا خبر وفاتي؟ عزيز زميلي في المكتب، الذي يتذمر كثيرا، لأن موقعه  في الجهة الشرقية من المبنى، حيث تسطع الشمس في وجهه خمس ساعات في اليوم، بينما مكتبي في الجهة الغربية، سوف يقفز إلى موقعي، فور ما يبلغه خبر انتحارتي، سيتحدث عني : " المرحوم كان عنده مكتب موقعه زين، لكن مسكين المشاكل أقوى منه"

جارنا في الحارة أبو صالح، الذي يلمح في كل اجتماع لجيران الحارة، على أفضلية الصلاة في المسجد، حيث ألا أفعلها، سوف يوظف فرصة موتي خلال قراءة رواية، بالتذكير بأهمية الخاتمة الحسنة.

سامي ابن عمي، قد يستغل الموقف للتأكيد على تصوره لي، وهو أنني مجرد إنسان "منفوخ" على الفاضي، و كل نجاحات في الحياتي مجرد صدف، و عندما تعرضت لأول أزمة في حياتي، انهرت.



وضعت الرواية جانبا، تأملت النار وهي تلتهم الحطب، مددت يدي وأضفت المزيد منها، شعرت بتحسن مزاجي، أستعدت رغبتي في الأكل، خوض معارك من أجل ملكيتي الفكرية للأطباق التي ابتكرتها، أيضا في إغاضة أعدائي. 

 

قمت من مكاني، فتحت نوافذ الملحق، رميت بعلبة السجائر في الزبالة، رجعت للمدفأة، النار التي تصورتها ستكون أداة نهاية حياتي، فإذا بها تكون الأداة التي أعادت لي الرغبة في الحياة.

ماعانيت منه طيلة ٩ أشهر، هو اكتئاب الصيف! فمرحبا بالشتاء، مرحبا بإيقاد النار، مرحبا بالحياة.

تمت.


 

 

أسامة المسلم وأدب الفانتازيا: نجاح أم ظاهرة؟ نشرت في منصة ورشة مخ

  ذهبتُ يومًا مع ابنتي سمو إلى صالة الملاهي، وبينما اتجهت مُسرعةً للعب، جلستُ على كرسي قريبٍ منها وفتحتُ رواية «حكاية أمريكية، للروائي الأمر...